مي زيادة تكتب: شجرة الميلاد
في مجلة الهلال وفي عدد خاص عن رأس السنة الميلادية عام 1946 كتبت الأديبة مي زيادة مقالًا قالت فيه:
جاء عيد الميلاد وجاءت معه جميع الذكريات والتصورات والمعاني الخاصة به.. اليوم يقي الواعظون من على المنابر كلمات البر والإحسان والغفران وينشد المنشدون المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام، فيسمع الناس الأناشيد والأغاني، ولا يحاولون إدراك كنهها.
وإن أدركوا فلا يعتقدون بوجوب تطبيقها على أعمالهم لأنها كجميع النصائح تقل قيمتها بالتكرار ويستخف بها كلما تبرع بها المتبرعون.
المجد لله ليس في العلى الذي نعلم ماهو فحسب بل المجد له في كل مكان وكل زمان، أما السلام فليس على الأرض في أيامنا، ولا ينتظر أن يحل عليها قبل أن يتغير نظام الكون، وهو التصارع والتقاطر الذي لا يفتر ولا يضعف.
منذ مئات الأعوام والدهور تتجاوب كلمة المحبة والمساواة، أما الأعمال فلا يظهر فيها غير تنازع البقاء وتنازع القوة وتنازع الغلبة والظفر بين الأفراد والجماعات في شئون العمران والدين والطبيعة.
ليس غير التنازع من سبب في أن تقيم الفنادق الكبرى شجرة عيد الميلاد ليدور حولها الراقصون الراغبون في نسيان همومهم وتسريح غمومهم.. وهو باعث نظرات السرور في عينى طفل يرقب لعبات ودمى وخيلا وأسلحة، ومركبات عبرت بها نوافذ المحال التجارية.
وهو منبه الذكرى في نفوسنا، ومعيدنا إلى أيام كنا نرى في هذه اللعبات الكون بأسره.. كما أنه في الوقت ذاته العاطفة التي تحولنا عن هذه الأشياء إلى ماهو خير منها.. أو ليس هو التنازع في شكل مجاملة.. صارت بالاستمرار إخلاصا اجتماعيًا.. هو الذي يجعلني أقول كل سنة وأنتم طيبون.
