رئيس التحرير
عصام كامل

صلاح حافظ يكتب: من وحي الفن

صلاح حافظ
صلاح حافظ
18 حجم الخط

في مجلة «التحرير» يوليو عام 1953 كتب صلاح حافظ مقالا قال فيه: في بلدنا فلاح يغزل الصوف، ثم يشد خيوطه بين نخلتين وينسجها، وفى المحلة الكبرى آلات تغزل نفس هذا الصوف، ثم نشد خيوطه بين أسنانها وتنسجها كذلك وحين ترى هذين النسيجين تعرف أن نسجيهما صوف، لكنك تشترى ما تصنعه المحلة ولا تشترى ما يصنعه الفلاح دون أن يتهمك أحد أنك متعصب لأحد ضد آخر.


غير أن الموسيقيين في مصر لا يحاولون أبدا أن يفهموا هذه الحقيقة ولا يحبون أن يفهمها الآخرون فهم حين يسمعونك تطالبهم بإنتاج موسيقى سيمفونية لا يترددون في اتهامك بالتعصب للغرب والسعى وراء بدع لا تتفق مع الذوق المحلى ولا تعبر عن طابعنا القومى متجاهلين أن الموسيقى السيمفونية ليست إلا نفس ألحانهم الحالية، لكنها منسوجة بأسلوب آخر فيه خدمة وفن وثقافة.

كما أن صوف المصانع الكبرى هو نفسه صوف الفلاح المصرى منسوجا بأسلوب علمى ميكانيكى فيه خدمة وفن وثقافة ومهارة.

لكن لماذا لا يريد الموسيقيون في مصر أن يعترفوا بذلك، ولماذا يخلطون بين المادة الخام للموسيقى وبين أسلوب معالجة هذه المادة الخام، لماذا لايفهمون أننا نطالبهم أن يستوردوا من الغرب آلة النسيج لا الصوف أو القطن الذي ستنتجه هذه الآلة.

لماذا لا يذكرون مثلا أن نصف الموسيقى السيمفونية التي أبدعها تشايكوفسكى وكورساكوف ليست إلا ألحان الفلاحين الروس موزعة على الأوركسترا توزيعا فنيا متقنا.

ولماذا لنفس الأسباب التي مازال الفلاح المصرى من أجلها ينسج الصوف بين نخلتين ثم يبيعه للناس خشنا بدائيا لم تلمسه يد العلم أو الفن أو الثقافة كل الفرق بين هذا الفلاح وبين فنانينا الكبار هو أن الفلاح لاينكر أبدا عجز يديه ولا يدعى أن نسيجه صوف ونسيج الآخرين كتان.
الجريدة الرسمية