أحمد بهجت يكتب: تأملات في مولد الرسول
في مجلة "الجديد" عام 1974 كتب أحمد بهجت مقالا بمناسبة المولد النبوى الشريف قال فيه:
"أذكر أول زيارة لى للمدينة المنورة..كنت قادما من أداء عمرة في مكة، وكنت مريضا أفكر في السفر إلى القاهرة، لكننى تذكرت قبل أن أسافر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من اعتمر ولم يزرنى فقد جفانى، فلم أجرؤ على العودة دون الزيارة.
وتابع: "حجزت مقعدا في سيارة أمريكية فارهة تتجه إلى المدينة وأخذت دوائى معى لعلاج حمى أصابتنى نتيجة برد رهيب، مرت الساعات الثلاث الأولى ونحن ننطلق، وبعد رحلة شاقة وصلت المدينة المنورة وسقط الليل علينا وكنت أفكر وأنا في السيارة في الناقة التي كان يركبها رسول الله".
وواصل بهجت مقاله:" السير في الصحراء يوهن العمالقة الأقوياء، والنظر إلى الصحراء في الظهيرة والشمس تخطف البصر وركوب الجمال تسعة أو عشرة أيام أمر عظيم المشقة والقسوة.. فكيف استطاع رسول الله أن يقطع هذه الرحلة القاسية، ومن أجل من يعانى عليه السلام وذهنه مشغول بأمر الدعوة إلى الله".
وأضاف " الأصل في التضحية أن نضحى من أجل إنسان تعرفه، تربطه بنا صلة أو حب، وإذا انتفت المعرفة لم تعد التضحية جائزة، ورغم هذا كان صلى الله عليه وسلم يضحى من أجل الذين لم يولدوا بعد، ومن أجل عصور لم يرها قط..هنا يختلف الرسول عن بقية النوع البشرى كله.. كل نبى ضحى من أجل قومه..في زمان قومه..ومن أجل أبناء وأحفاد قومه، أما نبينا نحن فكان يضحى من أجل الإنسان في كل زمان ومكان. كان يضحى ليصير الغضب وداعة وتصبح القسوة رحمة، ويتحول الظمأ إلى ارتواء، وتعود إلى الدنيا براءة العدل والحب والجمال".
واختتم مقاله بالقول: "وصلنا إلى المسجد النبوى، لم أعرف ماذا أقول له..وقفت منكمشا أرتعش، كان البرد مخيفا..وقفت بوجهى أمام قبره الشريف..بكيت ورفعت يدى أدعو، وإذا بأعرابى بسيط رث الثياب يضرب على يدى برفق ويقول لا تسأله هو...أدركت على الفور جريمتى.. لقد غضب الأعرابى لأن الدعاء أمام القبر لم يكن من تعاليم الرسول الذي بعث لتعليم الناس كيف يسألون الله وحده وكيف يتجهون إليه وحده".
