شاحن «مِبطًّطْ»
أخيرًا، وبعد أكثر من ثلاث اتصالات، وصلت «الإسعاف» إلى مكان الحادث، نزل منها السائق وبصحبته مسعف آخر، حملا المصاب على «نقالة» معدنية، ووضعوه داخل السيارة، وركبتُ معه..
كان الطريق مملًا، وصوت «السارينة» المزعج، واستغاثات السائق عبر مكبر الصوت، لم يفلحا في إثارة وتحريك قلوب أصحاب السيارات؛ ليفسحوا الطريق لمرور الإسعاف؛ لإنقاذ المصاب..
ممرضات كثيرات كُنَّ في استقبالنا، على باب المستشفى الحكومي، ظننت أنها إستراتيجية جديدة لوزير الصحة الجديد؛ لإسعاف الحالات الحرجة، والعناية بهم.. ولكن خابت ظنوني.. فالممرضات بقسم الطوارئ مضربات عن العمل؛ احتجاجًا على عدم صرف بدل النوباتجية..
بداية غير مبشرة، تحركت مخاوفي وقلقي على صديقي، وزادت هذه المخاوف بعدما تأكدت أن الإضراب نتج عنه حالتا وفاة.. فصرخت فيهن.. دون جدوى..
بعد «محايلات»، ودفع ثمن الكشف، و«الشاي بالياسمين»، وافق أحد عمال المستشفى على استدعاء طبيب لمرافقة الحالة.. وبقليل من «الرشوة» أدخلوه في حجرة «مُقبضة»، وأرقدوه على سرير بالٍ، بجوار مريض، بدا أنه أفضل مريض بقسم الطوارئ..
كان جسد صديقي يواصل النزيف، فأطلق صرخة مدوية، جعلتني أخرج عن نفسي، وصرخت بأعلى صوتي.. شتمتُ.. قلتُ ألفاظًا لم أقلها من قبل.. فحضر طبيبٌ، وسرعان ما استدعى إحدى الممرضات، فحضرت إحداهن متثاقلة الخُطى، واضعة «سماعتين» في أذنيها، لا للكشف بهما، ولكن لسماع «الأغاني» المنبعثة من هاتفها المحمول.. نهرها الطبيب.. لم تبالِ به.. أمرها بالقيام ببعض الإسعافات، وخرج بعد توقيع «كشف روتيني» على المصاب..
راحت الممرضة تبحث داخل غرفة الطوارئ، عن مكان مناسب تُعَلّق فيه أكياس الدم والمحاليل للمريض.. تعثرت في بعض «النفايات الطبية»، لم تعرها اهتمامًا.. اصطدمت قدماها بـ«كيس زبالة».. فركلته أسفل السرير، وأكملت رحلتها، إلى أن توقفت أمام «شماعة» بلاستيكية مُثبتة بمسمار «صدئ» على جدار الغرفة «المتسخ»..
علقت الممرضة أحد أكياس المحاليل في طرف الشماعة.. بينما علقت في الطرف الآخر كيس دم، بدا باردًا، وإن لم يكن في درجة برودتها هي.. وطلبت من المريض رفع الملابس أعلى ذراعه؛ لتعطيه حقنة مُسَكِّنة، فلم يرد عليها، فقد كان منهك القوى، فتولت هي هذه المهمة بالنيابة عنه، وغرست له «الإبرة» في الوريد.. ثم.. أخذت تبحث عن «فيشة».. «فيشة» تضع فيها «شاحن» هاتفها المحمول.. إلى أن وجدت ضالتها بجوار سرير أحد المرضى..
نادت عليها إحدى زميلاتها، ثم دخلت علينا «الطوارئ».. سألتها عن «فيشة» لـ«إنقاذ» هاتفها، الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة، ويحتاج إلى «شحن» عاجل.. فأشارت إليها بوضع الشاحن في «الفيشة» الملاصقة لـ«السرير» الذي يرقد عليه المصاب، ثم تحدثا معًا بـ«الهمس»، وأطلّا برأسيهما من النافذة ذي الزجاج المكسور.. وأطلقتا «الضحكات»..
استمرا في وقفتيهما لدقائق.. سمعت الطبيب ينادي عليهما بصوت عالٍ.. ظننته سيعنفهما لـ«إهمالهما» مع المرضى.. لكنه.. طلب منهما البحث عن «شاحن مِبَطَّط».. فـ«خرجت» الممرضتان سويًا مبتسمتين في بلاهة.. تاركين «المحاليل» تواصل طريقها في جسد صديقي الذي بدأ الدخول في مرحلة «فقدان الوعي»!
