الأسطى «سقراط»!
«إشطة كده قوي.. بارك الله فيما رزق.. اقفل الباب بالراحة، ومتجيبش حد تاني في الكرسي اللي جنبك».. قالها سائق الميكروباص، بمجرد دخولي السيارة، وجلوسي على الكرسي الأمامي، بجوار الباب المقابل لبابه..
تأملت الكرسي الخالي بيني وبين السائق، فأشفقت عليه.. إذ بدا وكأنه مخصص للأطفال، فهو أصغر حجمًا من أقرانه، وما زاد من مأساته أن جسد السائق، كان يغطى جزءًا منه، فحمدت الله أنه سيظل خاويًا حتى نزولي من السيارة..
كان السائق ضخمًا للغاية، حتى يخيل للناظرين، أنه جلس على كرسي القيادة أولًا، ثم تفصيل السيارة عليه.. فرأسه يلامس السقف.. «كرشه» الممتد أمامه، يكاد يخترق الزجاج الأمامي.. المسافة بين «مقود القيادة» و«فخذيه»، بالكاد تسمح لمرور «ورقة بفرة».. أكوام اللحم المنبثقة عنه تجدها أمامك، على «التابلوه»، أو بجوار «الفتيس».. وجهه ضخم، أقرب إلى وجه خالد الذكر صلاح جاهين، إلا أنه خالٍ من أية مظاهر طفولية..
«أنا مبحبش التنقيط، لِمّوا الأُجرة من بعض مرة واحدة، عشان أنتبه للطريق».. قالها السائق، بغلظةٍ، ردا على تجرؤ أحد الركاب بإرسال الأجرة منفردًا، دون بقية الركاب، مما أثار استياء السائق الذي وضع «فلاشة» في مكان ما بـ«التابلوه»، فصدرت عنها أصوات أشبه بأصوات مطربي «التكاتك»..
ناولته الأجرة، مصحوبة بقولي: «لو سمحت يا أسطى، يعني لو مفيهاش رزالة وسخافة مني، ممكن توطي الصوت شوية؟!»..
- آخره كده...
نطقها بِحِدةٍ، كمن يريد أن يقطع عليَّ وعلى الركاب خط الرجعة، قبل أن يستكمل كلامه لي، بنفس اللهجة: وبعدين أنا مبعرفش أسوق إلا لازم أسمع «دَوْشَة»..
- وأنا كمان بحب «الدوشة» ههههه.... قلتها، وأطلقت ضحكة قصيرة باهتة، لا أدري إن كانت خوفًا من السائق، أم محاولة لامتصاص أشعة الغضب التي رأيتها في عينيه، أم برفع الراية البيضاء، وقبولي بالأمر الواقع.. وحاولت مجاراته ومسايرته، حتى تنتهي رحلة الرعب، فقلت: الله يرحم أيام «بيجو وبليه وعربي وعنتر وحنفي»، كانوا بيزلزلوا الميكروباصات بأغانيهم من ييجي عشر سنين كده..
- يااااااااااه.. انت فكرتني بالناس الجميلة.. بالفن الجميل.. مع إن مش باين عليك إنك «سَمِّيع» خالص.. عارف يا أستاذ كان الواحد من دول «يِعْفَأ» الموال، فشر عبد المطلب..
- عبد المطلب مين، ومحمد العزبي مين، وعدوية مين...
قاطعني، كضابط مرور استوقفني فجأة لفحص الرُّخص: لأ.. كله كوم وعدوية كوم تاني.. ده واحد من اللي بِيْكَيفوني..
قالها، وأخرج سيجارة، تبدو حاملًا في شهرها الأخير: أحلى اصطباحة، على أحلى زبون..
- إيه دي يا أسطى؟
- سيجارة «حشيش» مش خسارة في دماغك المِتْكلفة..
- ما بتشربش؟ طب تيجي إزاي دي؟.. «سَمِّيعْ» وما بتتكيفش؟.. ولسه ياما نشوف..
حاولت إيجاد مبرر لعدم «تكييفي»، فقلت: أنا مِبَطَّل من أسبوع عشان جالي دور حساسية..
- ألف سلامة عليك..
قالها، وأشعل سيجارة الحشيش، دون مراعاة لشعور الركاب، أو يخشى المرور على أحد الأكمنة.. فحاولت استفزازه، قائلًا: إنت مش خايف ولّا إيه يا أسطى؟!
- ألف سلامة عليك..
قالها، وأشعل سيجارة الحشيش، دون مراعاة لشعور الركاب، أو يخشى المرور على أحد الأكمنة.. فحاولت استفزازه، قائلًا: إنت مش خايف ولّا إيه يا أسطى؟!
- وأخاف من إيه إن شاء الله؟!
- يعني.. أنا سامع إن الشرطة شادة حيلها اليومين دول..
- شرطة؟! هههههههههههههههه.. شي الله يا شرطة.. الشرطة دي على الغلابة اللي زيك لا مؤاخذة.. طب وحياة الطريق اللي ماشيين عليه ده أحلى حشيش تتكيف بيه من بتوع الشرطة، أحلى بانجو، أحلى ترامادول.. وحتى أحلى حتة سلاح، برضو من بتوع الشرطة.. والحتة اللي معايا دي ادهالي أمين شرطة شغال في مباحث المخدرات..
- معقول؟!
- طبعًا معقول ونص كمان.. والأمين ده مَعَملش غير الواجب.. مش بيقولك «الشرطة في خدمة الشعب».. ههههههههه هههههه ههههههاااااي..
قالها وأطلق ضحكات قصيرة، زلزلت الميكروباص، وشعر بها الركاب في الخلف.. فقلت: باين عليك إنت فاهم شعار «الشرطة في خدمة الشعب غلط»..
- لأ.. ده إنت إللي باين عليك لسه واصل حالًا..
مستنكرًا نبرة السخرية في كلامه: واصل منين؟!
- يعني.. أنا سامع إن الشرطة شادة حيلها اليومين دول..
- شرطة؟! هههههههههههههههه.. شي الله يا شرطة.. الشرطة دي على الغلابة اللي زيك لا مؤاخذة.. طب وحياة الطريق اللي ماشيين عليه ده أحلى حشيش تتكيف بيه من بتوع الشرطة، أحلى بانجو، أحلى ترامادول.. وحتى أحلى حتة سلاح، برضو من بتوع الشرطة.. والحتة اللي معايا دي ادهالي أمين شرطة شغال في مباحث المخدرات..
- معقول؟!
- طبعًا معقول ونص كمان.. والأمين ده مَعَملش غير الواجب.. مش بيقولك «الشرطة في خدمة الشعب».. ههههههههه هههههه ههههههاااااي..
قالها وأطلق ضحكات قصيرة، زلزلت الميكروباص، وشعر بها الركاب في الخلف.. فقلت: باين عليك إنت فاهم شعار «الشرطة في خدمة الشعب غلط»..
- لأ.. ده إنت إللي باين عليك لسه واصل حالًا..
مستنكرًا نبرة السخرية في كلامه: واصل منين؟!
- من عند الأسطى «أفلاطون»
- ومين بقى الأسطى أفلاطون ده؟
- ده «المقاول» اللي كان عاوز يبني المدينة «الفاضية».. ههههههههههااااهاهاااي
قالها وانفجر في الضحك..
- آااه.. تقصد أفلاطون الفيلسوف بتاع المدينة الفاضلة؟!
قلتها محاولًا تصحيح المعلومة لديه.. فَرَدَّ ساخرًا: لأ.. أقصد «أفلاطون» بتاع جمهورية أمناء الشرطة.. هههههههههههههه.. متشغلش دماغك كتير بكلامي.. أنا صماويل مخي فَوِّتتْ، وطَالْبَة معايا كلام وضحك..
- باين عليك الهوا لطشت، واتسطلت..
- اتسطلت إزاي، وأنا سايق العربية؟!
قالها، وتوقفنا في الإشارة، ونادى على «عسكري المرور»، وناوله كيسًا به «علبة كشري»، من الحجم الكبير، وورقة لم أتبين ما فيها.. ولما رآني ناظرًا إليه، وعلامات الحيرة مرسومة على وجهي، نظر لي قائلًا: دول غلابة.. ربنا يعينهم.. ثم انطلق عابرًا الإشارة...
كنا قد اقتربنا من نهاية الخط.. وتذكرتُ أني نسيت التعرف، كعادتي، على اسم السائق.. فقلتُ له: ياااااه الكلام أخدنا، ونسيت أسألك على اسمك..
- اسمي «سقراط»..
- نعم؟!
- باقولك اسمي «سقراط».. الأسطى «سقراط»... هههههههههه هههههههه ههههههااااااااااااي... حمدلله ع السلامة..
- آااه.. تقصد أفلاطون الفيلسوف بتاع المدينة الفاضلة؟!
قلتها محاولًا تصحيح المعلومة لديه.. فَرَدَّ ساخرًا: لأ.. أقصد «أفلاطون» بتاع جمهورية أمناء الشرطة.. هههههههههههههه.. متشغلش دماغك كتير بكلامي.. أنا صماويل مخي فَوِّتتْ، وطَالْبَة معايا كلام وضحك..
- باين عليك الهوا لطشت، واتسطلت..
- اتسطلت إزاي، وأنا سايق العربية؟!
قالها، وتوقفنا في الإشارة، ونادى على «عسكري المرور»، وناوله كيسًا به «علبة كشري»، من الحجم الكبير، وورقة لم أتبين ما فيها.. ولما رآني ناظرًا إليه، وعلامات الحيرة مرسومة على وجهي، نظر لي قائلًا: دول غلابة.. ربنا يعينهم.. ثم انطلق عابرًا الإشارة...
كنا قد اقتربنا من نهاية الخط.. وتذكرتُ أني نسيت التعرف، كعادتي، على اسم السائق.. فقلتُ له: ياااااه الكلام أخدنا، ونسيت أسألك على اسمك..
- اسمي «سقراط»..
- نعم؟!
- باقولك اسمي «سقراط».. الأسطى «سقراط»... هههههههههه هههههههه ههههههااااااااااااي... حمدلله ع السلامة..
