رئيس التحرير
عصام كامل

مهنية برامج التوك شو!


انطلقت أولى برامج «التوك شو» في الإعلام الأمريكي مع النصف الثاني من القرن الماضي، وأثارت مع انطلاقها حالة جدل واسعة، وتدخل في التنظير والتعليق والنقد أكاديميون ونقاد بارزون، إلى أن استطاعوا أن يرسوا العديد من القواعد المهنية الإعلامية، ورغم حالة التحرر المهيمنة على المجتمع الأمريكي وعلى التوجه الإعلامي، إلا أن المهنية تقتضي أن يكون هناك دائما تمثيل لوجهتي النظر، وأن يكون هناك قدر مشترك من الأرضية في الموضوع الذي يتم مناقشته بين الأطراف، وأن يتم بدقة تحديد موضوع الاختلاف، وتطوير النقاش تدريجيا، وعرض أية خلفية يحتاجها المشاهد لكي يتابع الموضوع بشكل واضح بدون تعمية، ومحاولة العمل على الانتهاء من حالة الحوار بالخروج بتوصيات ومقترحات.

صحيح هناك بعض البرامج الأمريكية التي شذت عن الخط، لكنها اتخذت لنفسها بطاقة «السخرية»، حتى لا تلزم نفسها بهذا القدر من الصرامة المهنية، لكن البرامج الأخرى انطلقت بهذه المهنية لكي تناقش موضوعات تبدأ من اهتمامات رجل الشارع العادي، انتهاء بالسياسة الدولية، واتفاقيات الانتشار النووي، بهذه الكيفية، وجدت جميع الموضوعات والاهتمامات من يمثلها لدى مقدمي البرامج، ما بين السياسة والاقتصاد والعلم والترفيه والغذاء والصحة والتعليم والإسكان والطاقة، كل هذه البرامج أصبحت قابلة للطرح والتداول بقدر من الحرفية والعلمية أيضا.

في التجربة المصرية تعد أولى حالات تقديم برامج مشابهة برنامج «النادي الدولي» في السبعينيات قدمه: (سمير صبري وسلمى الشماع وفريدة الزمر)، ثم مع انطلاق الفضائيات المصرية ومع برنامج «البيت بيتك» وغيرها من البرامج انطلقت برامج التوك شو بكثافة غير عادية، وفي بداياتها كانت تهتم كثيرا بالتقارير المصورة، وبالشروحات، وبتنوع الفقرات، ثم رويدا رويدا انسحبت الأمور تجاه النواحي السياسية فقط، واختفت منها جوانب التثقيف والتنوير في مجتمع ليس تحرريا ولا يستطيع التعامل مع مختلف وجهات النظر، وليس لديه آليات تمكنه من التعرف على خلفيات الموضوعات وتواريخها، لتصبح برامج التوك شو في النهاية نشرات إخبارية موجهة، نعم إنها الحقيقة برامج التوك شو ليست مكانا لعرض مختلف الآراء، ولا مكانا لتثقيف المواطن، بل صارت منذ زمن مكانا للتوجيه والتعبئة، وفي أوقات كثيرة يغيب هدف التعبئة لتصبح برامج شحن فقط، برامج تُري المشاهد واقعا أسودا كئيبا، دون مقترحات للحلول ولا آليات عمل للتطوير، ولا تبصرة حقيقية بجذور أي مشكلة، ولا أمل في الغد. وفي المقابل زاد نفوذ مقدمي البرامج، ليصيروا هم الأساس المتحكم في كل شيء، هم من يفرضون سياستهم أحيانا على سياسات القناة التي يعمل بها.

ويكشف حادث إساءة إحدى الإعلاميات مؤخرا لدولة عربية شقيقة، والألفاظ غير المسئولة لبعض الإعلاميين بشأن القضية الفلسطينية، يكشف ذلك أنه ليس هناك إعداد بالمعنى الحقيقي، وأنه يمكن لأي مذيع أن يخرج عن السياق المعد له وقتما يشاء وكيفما يشاء طالما أنه على الهواء مباشرة، فربما كانت آلية عمل بعضهم: «طلعني هوا وربنا يسهل»

بالطبع ليس الجميع هكذا، وبالطبع هناك نماذج تستحق أن نحييها ونرفع لها القبعة، لكن هذه النماذج أيضا نناشدها أن تتدخل سريعا ومعهم نقاد وأكاديميون متميزون جادون، لإقرار ضوابط مهنية إعلامية يلتزم بها الجميع مستشعرا روح المسئولية الوطنية والأخلاقية، ليقدموا للمواطن المصري إعلاما يمكنه من فهم واقعه وذاته وتحدياته بشكل حقيقي.
الجريدة الرسمية