«رمضان» ملهم المبدعين.. شعراء مصر تألقوا بسبب روحانيات الشهر الكريم.. وقدامى العرب احتفلوا بمظاهر وليالي الصوم.. البحتري وشوقي وحسان بن ثابت أشهر من تغنوا بالشهر.. و«المسحراتي» أحد
التراث المصري الأدبي غني بالإبداع الرمضاني، يتنوع بين قصة وشعر ونثر، وهذه الأعمال برزت في عهود الدول الفاطمية والأيوبية والمملوكية.
ويتجلى الأدب الرمضاني في الشعر العربي القديم في شعر حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وكعب بن زهير، وفي مداخل المدائح لرموز الدولة الأموية أمثال الفرزدق وجرير، وفي هاشميات الكميت، وذات الشيء في العهد العباسي الطويل.
العباقرة ينشدون للشهر الكريم
وبمرور السنوات، أصبح قدوم الشهر الكريم سببًا لتجليات الحركة الشعرية المدحية وغيرها، ونجد نماذج لذلك في شعر العباقرة الكبار أمثال البحتري وأبي تمام وابن الرومي والمتنبي.
وانتقلت قيادة الأدب العربي إلى مصر في عهد الدول الفاطمية والأيوبية والمملوكية، تزامنًا مع الانتصارات على الحركات الصليبية والتتارية، وازاد انتشار الأدب خلال شهر رمضان الكريم، ولازمه انتشار العديد من المظاهر مثل الخروج بالفوانيس وتزيين المساجد والشوارع والميادين وإقامة الولائم( موائد الرحمن) في الميادين العامة للفقراء والمسافرين وللقوافل العابرة بالبر المصري، والتي كان يشرف عليها الخلفاء بأنفسهم.
وتحلت الحركات الشعرية والخطابة النثرية والكتابات وتنبري في وصف تلك المظاهر الاحتفالية الكبرى والمتميزة، ودونت تلك المظاهر في مؤلفات المقريزي ( طط المقريزي) والرحالة ابن جبير( رحلات ابن جبير) ورسائل( ابن خلدون).
مظاهر الاحتفال تشجع على الشعر في رمضان
ويصف أبو المعز بن مظفر صورة الفانوس وقد زين مسجد عمرو بن العاص في زمن صلاح الدين الأيوبي بقوله: أي علم للناس في الصوم ينصب على جامع ابن العاص أعلاه كوكب"؟ وفي العصر الحديث بدأت ملامح الأدب الرمضاني في إسلاميات أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وأحمد محرم صاحب الإلياذة الإسلامية الشهيرة، إلى جانب شعر محمود حسن إسماعيل.
وتاتي قصة "ألف ليلة وليلة " في مقدمة الأعمال الأشهر في رمضان، وهي مجموعة متنوعة من القصص الشعبية عددها نحو مائتي قصة يتخللها شعر في نحو 1420 مقطوعة، ويرجع تاريخها الحديث عندما ترجمها إلى الفرنسية المستشرق الفرنسي أنطوان جالان عام 1704م، والذي صاغ الكتاب بتصرف كبير.
وقد قلدت الليالي بصورة كبيرة واستعملت في تأليف القصص وخاصة قصص الأطفال، كما كانت مصدرًا لإلهام الكثير من الرسامين والموسيقيين، وتحتوي قصص ألف ليلة وليلة على شخصيات أدبية خيالية مشهورة منها علاء الدين، وعلي بابا والأربعين حرامي ومعروف الإسكافي وعلى زيبق المصري والسندباد البحري، وبدور في شهرزاد وشهريار الملك، والشاطر حسن.
السيرة الهلالية
"السيرة الهلالية"، كذلك هي إحدى القصص المنافسة بقوة في الأدب الرمضاني، وهي من أضخم وأبقى الأعمال التراثية التي تحكي وتخلد حياة العرب البدو الرحل وتوضح خطوط الهجرة من الجزيرة العربية إلى مختلف بلدان العرب، بحثًا عن المرعى والمياه.
تبدأ هذه السيرة ببيان المجتمع القبلي في الجزيرة العربية عن طريق قبيلة بني هلال، ومنهم نسل عبد المولى وهم من عابدين ويقال إنهم من كانو يملكون قصر عابدين، ولكن في بعض العصور السابقة ودخول الكثير من الغزاة مصر تشردوا ومنهم من ذهب في شبه الجزيرة العربية ومنهم من يقيم في الصعيد وعندما جفت شبه الجزيرة العربيه كان أبو زيد الهلالى موجود يحث قومه على أن الهلاك قادم لكى يستعدوا وكالعادة لم يسمعوا له فخرج يبحث عن مكان ليقيموا فيه وأصدقائه معه فذهب إلى بلاد عديدة حتى وصل تونس.
نماذج شعرية
كما ظل شهر رمضان بما يتضمنه من معان دينيه وروحية، مصدر إلهام للشعراء، فقد حفلت دواوين الشعراء بذكر الشهر الكريم، ما بين الترحيب بقدومه ورحيله، وذكر أهمية الصوم.
فيقول الشاعر "ياسين الفيل" في قصيدته المعنونة باسم "رمضان أنت بما نُحب جدير":
شَوْقِي عَلَيَّ مَدَى الشُّهُورِ يَجُورُ وَدَمِي لِبُعْدِكَ فِي العُرُوقِ يَمُورُ
وَمَشَاعِرِي تَهْفُو إِلَيْكَ وَإِنْ يَكُنْ أَمَلِي بِقُرْبِكَ مَا غَزَاه فُتُورُ
وَمَحَبَّتِي لَكَ تَسْتَحِثُّ خَوَاطِرِي أَنْ تَسْتَطِيلَ وَفِي مَدَاكَ تَدُورُ
قَبْلَ المَجِيءِ لَنَا أَرَاكَ عَوَالِمًا مِنْهَا عَلَى مَلأٍ يَفِيضُ حُبُورُ.
بينما يقول الشاعر ابن حمديس الصقلي:
قُلْتُ وَالنَّاسُ يَرْقُبُونَ هِلالًا يُشْبِهُ الصَّبَّ مِنْ نَحَافَةِ جِسْمِهْ
مَنْ يَكُنْ صَائِمًا فَذَا رَمَضَانٌ خَطَّ بِالنُّورِ لِلوَرَى أَوَّلَ اسْمِهْ .
وزاد تألق الأدب الرمضاني في العصر الحديث، عندما أضفى عليه مجموعه من رواد شعر العامية، أبعاد واقعية تعكس الواقع الذي نعيشه، وأبرز مشكلاته من خلال اللون الشعبي الرمضاني والموشحات، وهذا ما ظهر في أشعار أحمد فؤاد نجم، وعبد الرحمن الأبنودي، وبيرم التونسي وصلاح جاهين، ومحمد المصري، وفؤاد قاعود وبهاء جاهين، وغيرهم.
وانتقلت أعمال " المسحراتي " من ميكروفون الإذاعة إلى كاميرات التلفاز وشاشاته لتدخل كل بيت معلنة بأن لشهر رمضان، فنًا وأدبًا خاصًا بكيانه وبحضوره وبجوه الروحاني الخاص.
