نجيب محفوظ يكتب: رمضان..شهر القراءات الحرة
في آخر كتابات نجيب محفوظ قبل وفاته كتب في جريدة الأهرام عام ٢٠٠٦ عن شهر رمضان يقول فيه:
أصبحت أفتقد الصيام في رمضان الآن لمرضى ولكبر سنى، وقد بدأت أواظب على الصيام قبل أن أتم عامى السابع، فالصيام قبل أي شيء آخر هو الذي يجعل رمضان مختلفًا عن بقية شهور السنة.. وأذكر أننى كنت أجلس فوق سطح منزلنا في ميدان بيت القاضى بالجمالية لأراقب المؤذن وهو يصعد مئذنة جامع الحسين ليؤذن للمغرب.
قد كان رمضان يحمل لى أجمل الذكريات لأنه الشهر الوحيد الذي كان يسمح لى فيه بأن أتأخر خارج البيت حتى ساعة متأخرة من الليل دون أن أسأل أين كنت أو لماذا تأخرت، وقد كنت أمضى يومى بعد الإفطار في اللعب مع الأصدقاء.
أما في الكبر فقد كنت أقضى الجزء الأكبر من اليوم في القراءة، فلم أكن أذاكر أثناء الصيام، ورمضان عندى كان شهر القراءات الحرة، ولقد قرأت فيه القرآن كاملًا لأول مرة، وكانت قراءاتى له في رمضان تختلف تمامًا عن القراءة في الأيام العادية.. فقد كان الصيام يضفى للإنسان قدرًا من الشفافية والروحانية لذلك كنت أجد للقراءة مذاقًا خاصًا في رمضان.
أذكر أننى قرأت حديث عيسى بن هشام في رمضان، كما قرأت أيضًا كتاب المنتخب في أدب العرب كما قرأت إسلاميات العقاد وعلى هامش السيرة لطه حسين.. ومن الأدب العالمى قرأت جميع مسرحيات برنارد شو.
كنت أقرأ بعد عودتى ظهرًا من المدرسة أو من العمل وحتى موعد الإفطار، بعد الإفطار لم يكن هناك تليفزيون ولا مسلسلات ولا فوازير وكان الترفية مقهى الفيشاوى بالحسين ويدور السمر حتى وقت السحور.
