مجتمع «المومس»..القواد الأكثر شهرة.. و«البدرونة» تـدير منزل الدعارة.. و«البرمي» عشيق وللحماية أيضا
تألف البناء الاجتماعى لمجتمع الدعارة في مدينة القاهرة في النصف الأول من القرن العشرين من سلم هرمى يستقر في قاعه جيش الشغالات «المومسات» اللاتى يكون القاعدة الأساسية لنظام النشاط، ويأتى فوقهن مجموعات «البدرونات» وهن مديرات البيوت المرخص بها للدعارة، ثم «السحابات أو السحابين» الذين يزودون البيت بالمومسات الجدد؛ فيما لو نقص العنصر البشرى، ثم القواد أو القوادة الذي يدير حركة النشاط كله من خلال جلب الزبائن «العملاء» وتشغيل العنصر البشرى الذي يقوم عليه ذلك النشاط، وإمداد المجموعات البشرية في التنظيم باللوازم التي يحتاجها النشاط ملابس وأدوات تجميل وحاجات المعيشة من غذاء وعلاج، وتوصيل للمستشفيات أو أماكن الكشف الطبى، ودفع تكاليف ومصروفات المومسات وتوزيع الأجور وخصم المبالغ المستحقة على المدينات من المومسات والمحاسبة وتوفير المحامين للدفاع عن المومسات لو وقعن في يد القانون، والإنفاق على المومس في حالة سجنها في بعض الأحوال إلخ.. ويأتى في النهاية «البرمى» أو «البرمجي» الذي يقوم بدور عشيق المومس في بعض الحالات.
ونبدأ «بالقواد» باعتباره أهم عضو في مجتمع البغاء: القواد لغويًا من القيادة، فهو قائد يقود المومسات ليمارسن نشاطهن في مجال البغاء.. والقواد هو «كل من ساعد أو عاون على بغاء الغير في الطرق العامة أو حمى هذا البغاء واقتسم ما يدره من دخل مع علمه بذلك» وقد دخل على هذا النص تعديل لاحق فأصبح القواد هو «كل من ساعد أو عاون على، أو حمى عادة تصيد العملاء لغرض البغاء، وبقصد اقتسام ما يدره من ربح».
وهذا كله قد جاء بعد صدور القانون ٦٨ لسنة ١٩١٥ الذي نصت المادة الأولى منه على عقاب« كل من حرض شخصًا ذكرًا أوأنثى على ارتكاب الفجور أو الدعارة أو ساعده على ذلك أو سهله له، وكذلك كل من استخدمه أو استدرجه أو أغواه بقصد ارتكاب الفجور أو الدعارة».
والنصوص المصرية تدور كلها حول معنى مصطلح الذي يتركز مفهومه حول قضية «الاستغلال»أو «التعيش» من كسب المومس.
والقوانين المصرية لم تكن تعاقب «القواد» فيما يفعله من التعيش على ما تكسبه المومس حتى عام ١٩١٥ باعتباره متشردا يتعيش عن طريق ما يدره البغاء من كسب حرام. ولقد ترتب على ذلك أن القواد ترك يعيث فسادا في ميدان البغاء، مستغلا متحكما مستبدا متعسفا متاجرا بأعراض الناس، يمتص دم فريسته، ويبتز مالها، يحلل لها حياة الرذيلة ويستحوذ على ما تكسبه بشتي الطرق، فيمكن أن يتزوجها ويستغل بغاءها، أو يخادنها لحمايتها، وهو في مجال الحماية يتسلط عليها ويهددها ويعتدي عليها ويعدم إرادتها حتى يجعل منها آلة صماء لا هدف لها إلا إرضاء جشعه وملء جيوبه بالمال الحرام.
ولا يمكن عرض عمل القواد إلا من خلال دراسة وتحليل العلاقات الاجتماعية بين المومس والقواد، فالمومس كما سبق أن ذكرنا تعتمد في عملها على دور القواد الذي يأتي لها بالعملاء.. لكن العلاقة لاتسير على هذا النحو الهين والتطور الطبيعي لهذا النوع من العلاقة يمكن أن يفرز اشكالا أخرى من مظاهر التعامل تكشف على نحو سليم عن طبيعة العلاقة بين المومس والقواد.
إن القواد لا يدفع للمومس أجرها كاملًا، بل يستقطع منه نسبا كبيرة مقابل الخدمات التي يؤديها أو يزعم أنه يؤديها لها، وقد لا يدفع القواد أجر المومس بزعم أن نصيبها من الربح قد استهلك في خدمات صحية أو قانونية أو نفقات للملبس أو المآكل أو التزين أو المفروشات أو الأثاث. وحتى في حالات الإنفاق على المومسات؛ فإن القواد يحاول قدر الإمكان تقليل هذه النفقات إلى أقل قدر ممكن.
لكن القضية الرئيسية في علاقة القواد بالمومس يطبقه القواد في مجتمع البغاء باعتباره صاحب الدور البارز في هذا المجتمع والمهيمن على مقدرات جماعة البغاء، والذي لايخضع أصلا لأية قيود صادرة عن الجماعة باعتبارها مجتمعا له خصائصه. فالقواد في مجتمع البغاء لا يراعي أي التزام نحو مجتمعه هذا لكنه يلزم أعضاء هذا المجتمع بقوانينه التي يستهدف منها استبقاء الجماعة والمحافظة على تماسكها من خلال التزام اعضائها بالانصياع لها ولأعرافها.
ويمكن أن يلجأ القواد إلى استخدام العنف وتوقيع الجزاءات على المومس المتمثلة في شكل عقاب بدنى على من تخالف قوانين العمل وقواعده «العمل من خلال القواد - ذكر حقيقة ما تحصل عليه من العميل علاوة على الأجر الذي تقاضاه القواد منه مقدما - عدم الاتصال بالعملاء إلا من خلال القواد - عدم العمل لحساب قوادين آخرين».
ويقوم القواد أو القوادة أو مساعدوهما من الرجال والنساء بأعمال العنف ضد المومسات اللاتى لا ينصعن للقواد أو لقواعد العمل.
وتتراوح أعمال العنف هنا بين الضرب المبرح - استخدام الشفرات أو المطاوى لتشويه وجه المومس - إلقاء حامض الكبريتيك «ماء النار» على جسد المومس المتمردة إلى حد تحريض زميلاتها على وضع مواد كاوية في الأماكن الحساسة من جسم المومس قسرًا «حبات الفلفل الأحمر المطحونة والتي تعرف بالشطة».
من هنا فإن تعامل القواد مع مومساته بمنتهي العنف، بما في ذلك حبسهن وضربهن ضربا مبرحا لإذلالهن وضمان انصياعهن وطاعتهن الطاعة التامة له يأتي في إطار ثقافة العنف التي تسود مجتمع البغاء.
> البدرونة
البدرونة كلمة إيطالية تعني «سيدة صاحبة رأسة، أو مالكة» كما تعني في ايطاليا أيضا قائد سفينة في البحر المتوسط وتعني الشخص الذي يشغل موسيقي الشوارع والأطفال الشحاذين وتعني أخيرا مسئول الفندق.
وقد اطلقت الكلمة في مصر على مديرة المنزل الذي يدار للدعارة في احياء الدعارة الأوربية وذكرها «توماس رسل في مقام حديثه عن الدعارة الاجنبية في القاهرة ومدي المعاناة التي تلقاها الشرطة نتيجة تلاعب هاته البدرونات بنصوص الامتيازات الاجنبية التي كانت مطبقة في مصر حتى عام ١٩٤٩ وعدم قدرتها على ضبط بيوت الدعارة السرية الأوربية نتيجة لذلك.
لقد كانت مديرة المنزل الذي يدار للدعارة تسمى في أدبيات القرن التاسع عشر العايقة» وجمعها «عياق» أو «عايقات». وتعرف كتابات الفترة «البدرونة» بأنها «المرأة الساقطة التي تبيح لها رخصتها إدارة منزل للدعارة وهى عادة من البغايا اللاتى قد كبرن وكسدت بضاعتهن».
ولما كان النشاط المعروف في المنزل الذي يدار للدعارة هو ممارسة البغاء ولما كان المفهوم أن هذا النشاط يعني وجود عدد من المومسات «اثنتان على الأقل» وان هذا المنزل- إذا اعتبرناه مؤسسة يحتاج إلى من يدير شئونه المالية والإدارية الخ.
وقد كشفت الدراسات عن مجتمع البغاء خلال الفترة موضوع الدراسة أن «البدرونات» كن يلتزمن «بميثاق شرف» فيما بينهن فيما يتعلق بملكية المومسات وحق استغلالهن، فلا يجوز للبدرونة أن تقبل في بيتها «مومس» تابعة لبدرونة أخرى.
وقد تبين من دراسات الفترة أن المومس في مجال العلاقة «بالبدرونة» إما أن تتقدم باختيارها إلى «بدرونة» معينة لتشغيلها، وإما أن تشتريها «البدرونة» بمالها من «بدرونة» أخرى أو من «جلاب».
ومن وسائل «استبقاء» البدرونة للمومس في منزلها المدى للدعارة، استكتابها إياها ايصالا باستلام «حلى» بصفة أمانة، حتى إذا استطاعت الهرب ابلغت ضدها السلطات القضائية بتهمة «التبديد» أو «السرقة» أو «خيانة الأمانة».
وقد احترمت الشرطة خلال الفترة موضوع الدراسة الوثائق المالية بين المومسات والبدرونات ففصلت في المنازعات التي كانت تبدر بينهن وكثيرا ما كان يقضي بإلزام المومس بالبقاء عند البدرونة إذا عجزت عن الدفع ولم تجد بدرونة أخرى تفتدي حريتها بالشراء.
لكن العجيب في الأمر كان احترام جهات الكشف الطبي على المومسات لمواثيق الشرف المعقودة في مجتمع البغاء فكانت هذه الجهات لا تسمح للمومس بان تخرج من المستشفي بعد العلاج الا إذا تسلمتها بدرونتها أو أحد اتباعها كما أن اعوان السوء الذين في خدمة القواد أو البدرونة كانوا يحيطون بمكتب الكشف الطبي على المومسات من جميع جهاته يوم الكشف الطبي على مومساتهم حتى إذا خرجت المومس بعد الكشف كان حولها نطاق منهم لا يمكن أن تفلت منه.
>البرمجي
ورد مصطلح «البرمية» ومفردها «برمى» في تقرير «محمد شاهين باشا» وكيل وزارة الداخلية للشئون الصحية الذي أعده في عام ٥٣٩١ بشأن بحث موضوع البغاء المرخص به الذي كلفت الحكومة في عام ٣٢٩١ لجنة برئاسته لفحصه.
ثم قدم «نيازى حتاتة» هذا المصطلح في بحثه الشهير عن البغاء في مدينة القاهرة، لكنه ذكر المصطلح بأنه «برمجى» بضم الباء، وتسكين الراء، وفتح الميم.
وعندى أنه لا فرق بين هذا المصطلح وذلك، فالبرمى هو المسمى المقصود باللغة العربية، والبرمجى هو نفس المسمى مع إضافة «جى» الصفة المستخدمة في اللغة التركية للدلالة على الصفة أو المهنة.
والبرم في اللغة هو إحكام الشيء وقد استخدم المصطلح في العامية في الإشارة إلى الشخص المتمرس أو الذي لا يمكن استغفاله أو الاحتيال عليه فيقال فلان «برم» أو«برمجي» لكن معني المصطلح وفق ما لدينا من مادة علمية هو عشيق المومس فالمومس من حيث ميولها الحقيقية ونفسيتها الصحيحة تسعي إلى التعلق بذيل الرجل وتعتمد عليه وهي في هذا المقام تتخذ من عشيقها زوجا حقيقيا لاتكسبه وثيقة الزواج الصفة القانونية لكنه يكتسب صفته من واقع وحقيقة علاقته بالمومس
وتعيش معظم المومسات في كنف عشاق لهن معيشة الازواج بل أن المومس قد تجمع بين عشيقها وزوجها في وقت واحد ولايميز بين هذا وذاك سوي وثيقة الزواج وتؤكد الدراسات أن نسبة العاشقات من المومسات تزيد على نسبة المتزوجات منهن.
وتتحمل المومس أثناء معاشرتها «للبرمى» مظاهر من العنف التي تصل إلى حد الإيذاء البدنى، لكنها تتحمل هذا كله في مقابل ما يوفره لها «البرمى» من الحماية في مجتمع البغاء، كذلك فإن «البرمى» يتحمل هذه العلاقة في مقابل ما توفره له من تغطية احتياجاته الجنسية، فكلا الطرفين يتحملان بعضهما في إطار المنفعة المتبادلة.
وهناك شخصيتان في مجتمع البغاء لا تحتاجان إلى تحليل كثير لدورهما في ذلك المجتمع، أولاهما «السحاب» أو «السحابة». والكلمة مشتقة من سحب الشىء إلى موضوع معين، كأن يقال سحب الفلاح بقرته، والمعنى مطابق تماما للكلمة في إطار ما نعالجه، فالسحاب هو الشخص الذي يسحب المرأة إلى القوادة أو القواد ليتولى الأخير تشغيلها في نشاط الدعارة. وهذا يعنى أن «السحاب» لا يقود المرأة إلى مباشرة الدعارة، وإنما هو يقوم بتوصيلها إلى «القواد» - وهو الشخصية القيادية الأولى في مجتمع البغاء - الذي يتولى بعد ذلك سلسلة من العمليات والإجراءات تنتهى بانخراطها في نشاط الدعارة - كذلك فإن السحاب قد يقوم بدور توصيل العميل إلى «المنزل» المدى.
للدعارة أو يقوم بدور الوسيط بين المومس والعميل وهو على أي حال أحد أفراد جماعة البغاء التي لاتقتصر على المومس والبادرونة والقواد.
