مصر بين أولويات التنمية وتحديات الأمن الإقليمي
خلال الأيام التي قضيتها في القاهرة مؤخرًا، كان الحديث عن منتدى مصر 2026 حاضرًا في المجالس ووسائل الإعلام، باعتباره مساحة للحوار بشأن حاضر الدولة المصرية ومستقبلها. وقد انعقد المنتدى في العاصمة الإدارية الجديدة، على مدى ستة أيام، تحت شعار "نظرة لليوم.. رؤية للغد"، بمشاركة نحو تسعة آلاف شخص، بينهم صناع قرار وخبراء ومتخصصون وممثلون عن قطاعات ومكونات مختلفة من المجتمع.
ولم تقتصر أهمية المنتدى على اتساع المشاركة أو تنوع الملفات التي ناقشها، من الاقتصاد والدين العام إلى التعليم والصحة والتشغيل والأمن الغذائي والمائي وأمن الوطن والمواطن. فاجتماع هذه الموضوعات في منصة واحدة يعكس إدراكًا بأن التنمية لا تُقاس بالمشروعات وحدها، وأن أثر السياسات العامة ينبغي أن يظهر في حياة الناس، وفي مستوى الخدمات وفرص العمل والقدرة على مواجهة أعباء المعيشة.
ومن هنا تأتي أهمية الانتقال من استعراض ما أُنجز إلى تقييم نتائجه، والاستماع إلى تجارب المواطنين، وتحديد ما بقي من فجوات وتحديات. فالمشروعات الكبرى تكتسب قيمتها حين تترجم إلى خدمات أفضل وفرص أوسع وتحسن ملموس في حياة الناس. كما يتيح الحوار الجاد للمؤسسات أن تتعرف إلى أثر قراراتها كما يراه المواطن، وأن تصحح المسار حين تكشف التجربة عن حاجة إلى مراجعة أو تطوير.
وتتأكد أهمية هذه المراجعة في ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجه مصر، وفي مقدمتها إدارة الدين العام وتوفير موارد مستدامة للنقد الأجنبي، إلى جانب تلبية احتياجات السكان في الغذاء والمياه والتعليم والصحة والعمل. ولا تنفصل هذه الملفات عن بعضها؛ فالاستثمار المنتج يوسع فرص العمل، والتعليم الجيد يهيئ الشباب لها، وتحسين الخدمات يعزز ثقة المجتمع بجدوى السياسات. أما معالجة كل ملف بمعزل عن الآخر، فقد لا تحقق الأثر المتكامل الذي تتطلع إليه الدولة والمواطن.
وكانت قضايا المياه حاضرة في القاهرة أيضًا خلال الفترة نفسها، مع انعقاد أسبوع القاهرة التاسع للمياه، من 25 إلى 29 أكتوبر، تحت شعار "المياه كعامل محفز للسلام والازدهار المشترك والكوكب المستدام"، بالتزامن مع المؤتمر العربي السابع للمياه يومي 26 و27 أكتوبر. وتكتسب هذه اللقاءات أهمية خاصة لمصر في ضوء تحديات الأمن المائي، وفي مقدمتها ملف سد النهضة الإثيوبي وما يرتبط به من قلق بشأن حقوق دول المصب وتدفق المياه.
إن تأكيد شعار السلام والشراكة يكتسب معناه العملي حين يترجم إلى حوار جاد وتفاهمات تضمن الاستخدام المنصف للموارد، وتراعي مصالح جميع الأطراف، وتبتعد عن الإجراءات الأحادية التي قد تزيد التوتر.
وتكتسب هذه الأولويات بُعدًا إضافيًا في ظل ما تشهده المنطقة من توترات واضطرابات أمنية. فالمخاطر لا تقف عند حدود الصراعات، بل تمتد إلى طرق التجارة والملاحة وإمدادات الطاقة والغذاء، وحركة السفن عبر البحر الأحمر وباب المندب، وما قد يترتب على ذلك من تأثيرات في قناة السويس والاقتصاد المصري. وفي مثل هذه الظروف، يصبح الاستعداد الاقتصادي والاجتماعي جزءًا من منظومة الأمن الوطني؛ فالدولة الأقدر على حماية مصالحها هي التي تمتلك مؤسسات فاعلة واقتصادًا أكثر مرونة وجبهة داخلية متماسكة.
وفي هذا السياق، وافق مجلس النواب المصري، في جلسته العامة السرية يوم الاثنين 26 أكتوبر، بأغلبية بلغت ثلثي أعضائه على الأقل، على تفويض الرئيس عبدالفتاح السيسي باتخاذ ما يلزم من إجراءات لتقديم دعم عسكري دفاعي للمملكة العربية السعودية إذا طلبت الرياض ذلك. ويعكس القرار أهمية أمن السعودية بالنسبة إلى مصر وأمن المنطقة، كما يفتح النقاش حول مسؤولية الدول العربية في مساندة بعضها بعضًا عند التعرض للتهديد.
غير أن التفويض يظل مشروطًا بطلب سعودي، ولا يعني بحد ذاته أن إرسال قوات قد تقرر؛ كما أن تأكيد الطابع الدفاعي والتحرك الدبلوماسي لاحتواء التصعيد يظلان عنصرين أساسيين في التعامل مع التطورات.
ومصر، بحكم موقعها ودورها العربي والإقليمي، معنية مباشرة بهذه التطورات. ويحتاج التعامل معها إلى توازن يجمع بين حماية الأمن والمصالح الوطنية، والتحرك الدبلوماسي لاحتواء التصعيد، ودعم الاستقرار والتعاون العربي. ولا يقل عن ذلك أهمية أن تكون الخطط الاقتصادية مستعدة للصدمات الخارجية، وأن تضع الأمن الغذائي والمائي واستدامة الموارد في صلب أولوياتها.
ومن أبرز ما أُعلن في ختام منتدى مصر 2026 أن يصبح حدثًا سنويًا، مع تخصيص حوار شهري لقطاع من القطاعات، وإتاحة القرارات ومتابعة تنفيذها عبر رئاسة الجمهورية. كما تحولت التوصيات المعلنة إلى تكليفات حكومية. وهذه خطوات تمنح المنتدى فرصة لأن يتجاوز حدود المناسبة، وأن يصبح مسارًا مستمرًا للحوار والمراجعة. غير أن نجاحها سيُقاس بوضوح آليات المتابعة، وإعلان ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك، وربط المقترحات بمسؤوليات ومواعيد ومؤشرات قابلة للقياس.
إن مشاركة الآلاف تمنح المنتدى قاعدة واسعة للنقاش، لكنها لا تكفي وحدها لضمان أثره. فالحوار يترسخ حين يشعر المشاركون بأن آراءهم أُخذت بجدية، وحين يجد المواطن صلة واضحة بين ما قيل في القاعات وما يتغير في المدرسة والمستشفى ومكان العمل والخدمات اليومية. كما أن الانفتاح على النقد المسؤول وتعدد وجهات النظر يساعدان على تحسين السياسات وتوسيع الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
لقد حمل المنتدى عنوانًا يربط بين نظرة إلى الحاضر ورؤية للمستقبل. وبين العنوان ومضمونه تقع مسؤولية كبيرة: أن تكون الرؤية واضحة، وأن تترجم إلى خطوات عملية، وأن تراجع نتائجها بشفافية. وقد أظهرت مناقشات المياه، كما أظهر قرار دعم السعودية، أن الحوار والتنمية يرتبطان بأمن مصر ومصالحها الإقليمية. وفي مرحلة تتقاطع فيها التحديات الاقتصادية مع قضايا المياه وأخطار المنطقة، تحتاج مصر إلى حوار يوسع المشاركة، وتنمية يلمس المواطن أثرها، وتعاون عربي يخفف احتمالات التصعيد ويحمي أمن الشعوب ومصالحها.
