رئيس التحرير
عصام كامل

بين السیاسة والموسیقى.. من یصنع الانسجام ومن یحتكر اللحن؟

18 حجم الخط

 حضرت أول أمس حفلا موسيقيا رائعا في بھو المتحف المصري الكبير، للفنانة المتكاملة المثقفة متعددة المواھب فاطمة سعید، وبقیادة المایسترو الملھم نادر عباسي. تأملت الموقف وربطت بعد الحفل بین ما شاھدت، وبین الحوار القائم في المجتمع حول المستقبل السیاسي لمصر..

لا تتعجب أیھا القارئ، فأنا أربط السیاسة بالعلم وبالفن في وجداني خاصة أن أغلب الحاضرین في الحفل كان یحضرون إليّ معلقین على حواراتي السياسية الأخیرة..


كنت أتأمل نادر عباسي وھو یقف أمام عشرات الموسیقیین، لا یعزف آلة، ولا یصدر صوتًا، لكنه یحرك یده، فتتحرك معه آلات الكمان والتشیللو والأبواق والناي والبیانو، وتنساب الموسیقى كأنھا صادرة من روح واحدة. وسألت نفسي: ما الذي یجعل ھؤلاء المبدعین، الذین یمتلك كل منھم موھبة مستقلة، یستجیبون لإشارات إنسان واحد؟ وھل تكمن عبقریة القائد في قدرته على إخضاعھم لإرادته، أم في قدرته على تحریر مواھبھم داخل عمل مشترك؟ 

 

ومن ھذا السؤال الموسیقي انتقلت إلى سؤال سیاسي ھام: لماذا تنجح بعض المجتمعات في تحویل اختلاف مواطنیھا إلى قوة، بینما تتحول الاختلافات نفسھا في مجتمعات أخرى إلى صراع وانقسام؟ ولماذا یستطیع قائد أن یجمع المواھب حول ھدف مشترك، بینما یحتاج قائد آخر إلى إسكات الأصوات حتى یشعر أن الجمیع یسیرون خلفه؟
وھل یمكن أن نتعلم من الأوركسترا شیئًا عن فن الحكم؟


في الأوركسترا، القائد لیس أعظم العازفین بالضرورة، لكنه یعرف متى ینبغي أن یظھر صوت الكمان، ومتى یتراجع أمام التشیللو، ومتى تدخل آلات النفخ، ومتى یصمت الجمیع لتصبح لحظة السكون جزءًا من الجمال. إنه لا یعزف بدلًا من الآخرین، ولا یطالب كل آلة بأن تصدر الصوت نفسه بل إن قیمة الأوركسترا تقوم أصلًا على اختلاف الأصوات.


فلو عزفت جمیع الآلات النغمة نفسھا، بالطریقة نفسھا، وفي الطبقة الصوتیة نفسھا، لفقدنا ثراء الموسیقى. وھذا یدفعني إلى التفكیر في المجتمعات، فالمجتمع لیس كتلة بشریة متشابھة، ولا ینبغي أن یكون كذلك. فیه اختلاف المصالح، وتنوع الأفكار، وتعدد المعتقدات، وتباین الرؤى السیاسیة والثقافیة.


والقیادة الناجحة لا تمحو ھذه الاختلافات، بل تنشئ الإطار الذي یسمح لھا بالتفاعل دون أن تتحول إلى صراع مدمر.
الانسجام لیس أن نردد جمیعًا النغمة نفسھا، بل أن نستطیع إنتاج عمل جمیل من أصوات مختلفة.

من الذي یكتب النوتة؟ 

ھنا یبدأ الاختلاف الجوھري بین الموسیقى والسیاسة
في الأوركسترا توجد مدونة موسیقیة وضعھا المؤلف، ویأتي القائد لیقدم تفسیره لھا بالتعاون مع العازفین. وفي الدولة الدیمقراطیة، لا یجوز أن یكون الحاكم ھو المؤلف والقائد والعازف والحكم على جودة الأداء في الوقت نفسه. فالدستور ھو الإطار الأعلى الذي ینظم السلطة ویحدد حدودھا، والقانون یضع القواعد العامة، والمؤسسات تتقاسم الاختصاصات، والشعب ھو مصدر الشرعیة. 

وھدف الأوركسترا ھو إسعاد الجمھور وبھجته ورضاه.. والدستور لیس نوتة جامدة تمنع المجتمع من التطور، بل اتفاق قابل للتعدیل وفق إجراءات معلنة وضمانات تحمي الحقوق والأھم أن المجتمع نفسه یشارك، عبر مؤسساته وآلیاته الدیمقراطیة، في كتابة مستقبله.

وھذا یعني أن قائد الدولة لا یملك اللحن، ولا یحق له أن یغیر قواعد العزف كلما أراد إطالة بقائه على المسرح..
إنه یمارس سلطة محددة، لفترة محددة، وفق قواعد ینبغي أن تسري علیه كما تسري على غیره.
 

الفرق بین الانضباط والطاعة العمیاء

لا یمكن لأوركسترا أن تنجح إذا قرر كل عازف أن یبدأ وینتھي متى یشاء، أو أن یرفع صوت آلته لیغطي على الآخرین فالموسیقى تحتاج إلى انضباط. لكن الانضباط ھنا لا یعني إلغاء الشخصیة الفنیة للعازف، بل احترام القواعد التي تسمح لكل موھبة بأن تظھر وفي السیاسة أیضًا، لا تقوم الدولة دون قانون ومؤسسات ونظام عام.


لكن ھناك فرقًا كبیرًا بین احترام القانون والخضوع لإرادة شخص، فالانضباط المؤسسي یعني أن الجمیع یخضعون لقواعد معروفة، بما في ذلك من یمارس السلطة. أما الطاعة العمیاء فتعني أن تصبح إرادة صاحب السلطة ھي القاعدة، وأن یتحول الاختلاف معه إلى خروج على النظام، وھنا تنقلب القیادة إلى سیطرة.


وقد تبدو الأوركسترا السیاسیة في ھذه الحالة منضبطة من الخارج، لكنھا تفقد شیئًا جوھریًا: القدرة على الإبداع والتصحیح، فحین یخاف العازفون من الإشارة إلى خطأ القائد، قد یستمر الأداء، لكنه یصبح معرضًا للخلل،وحین تخشى المؤسسات من مراجعة القرار السیاسي، قد تستمر الدولة في الحركة، لكنھا تفقد القدرة على التعلم من أخطائھا ھل یستطیع القائد أن یسمع؟
 

أعتقد أن ھذه من أھم صفات القیادة، في الموسیقى كما في السیاسة، فقائد الأوركسترا لا یكتفي بأن ینظر إلى العازفین، بل ینصت إلیھم، یسمع إذا طغت الأبواق على الوتریات، وإذا تأخر دخول آلة، وإذا فقدت مجموعة توازنھا مع المجموعات الأخرى كذلك فإن القیادة السیاسیة تحتاج إلى مؤسسات تنقل الحقیقة، لا إلى دوائر تردد ما یرضي صاحب القرار.


تحتاج إلى صحافة حرة ومسؤولة، وإلى برلمان یمارس الرقابة، وإلى قضاء مستقل، وإلى مجتمع مدني قادر على التعبیر، وإلى أجھزة إداریة تستطیع أن تقول إن القرار غیر قابل للتنفیذ، أو إن نتائجھ تختلف عما كان متوقعًا.
إن القائد الذي لا یسمع إلا التصفیق قد یظن أن الموسیقى رائعة، بینما تكون آلات كثیرة قد توقفت عن العزف،
وأخطر ما یصیب السلطة لیس ارتفاع أصوات المعارضین، بل أن یسود الصمت لأن الجمیع فقدوا الثقة في جدوى الكلام.


متى یصبح القائد عبئًا على الأوركسترا؟

في الموسیقى، قد تتحول شخصیة القائد القویة إلى مصدر إلھام، لكنھا قد تصبح أیضًا عائقًا إذا تعامل مع العازفین باعتبارھم مجرد أدوات لإظھار عبقریتھ. ھو لیس صانع اللحن، بل قائد تنفیذه. فالموسیقى لیست استعراضًا للقائد، والموسیقي المحترف لا یفقد موھبته عندما یتعاون مع الآخرین، بل یضیفھا إلى العمل المشترك.


وھنا أتذكر كیف یمكن أن تنشأ حول أصحاب السلطة دوائر من الإعجاب المصنوع، ترفع من شأن القائد إلى درجة تجعلھ یصدق أنھ مصدر كل نجاح، وأن وجوده شرط لاستمرار الدولة. ویبدأ الخلط بین الشخص والمؤسسة، وبین استقرار الوطن واستمرار الحاكم، وبین النقد والعداء لكن الدولة القویة لا تُقاس بمدى اعتمادھا على شخص استثنائي، وإنما بقدرتھا على العمل بكفاءة في وجوده وبعد رحیله.


والأوركسترا العظیمة تستطیع أن تستقبل قائدًا جدیدًا دون أن تفقد ھویتھا أو تاریخھا أو مھارات عازفیھا، فلماذا لا یكون ھذا مبدأ أساسیًا في بناء الدولة؟


تداول القیادة.. واستمرار الموسیقى

قد یقود الموسیقار الواحد الأوركسترا سنوات طویلة، ویترك بصمته على أدائھا، ثم یأتي قائد آخر برؤیة مختلفة، فتستمر الموسیقى، ولا یعني تغیر القائد أن العازفین أصبحوا أقل كفاءة، أو أن النوتة فقدت قیمتھا، أو أن المؤسسة الموسیقیة ینبغي أن تبدأ من الصفر.


بل إن تنوع القادة قد یفتح آفاقًا جدیدة لتفسیر الأعمال نفسھا وھذا یذكرني بأھمیة تداول السلطة في الحیاة السیاسیة.
فتداول المسؤولیة لیس إنكارًا لإنجازات من سبق، ولا إھانة لمن یغادر موقعھ بل ھو اعتراف بأن المجتمع أكبر من الفرد، وأن المؤسسات ینبغي أن تكون أطول عمرًا من شاغلي المناصب.

ولعل أحد معاییر نجاح القیادة أن تترك وراءھا نظامًا یستطیع الاستمرار دونھا فالقائد الذي یبني مؤسسات قویة یضیف إلى المستقبل، أما الذي یجعل المؤسسات عاجزة عن العمل في غیابه، فإنه یترك وراءه ھشاشة مھما بلغت إنجازاته الشخصیة.


اللامركزیة.. حین تقود كل مجموعة نفسھا

في الأوركسترا الكبیرة، لا یتولى القائد كل تفصیل صغیر، فھناك قائد للكمانات الأولى، ورؤساء لمجموعات الآلات، ومسؤولیات موزعة بین موسیقیین یعرفون أدواره. وتقوم جودة الأداء على وجود قیادة عامة، مع قدر كبیر من الكفاءة والمبادرة داخل المجموعات.


وفي الدولة، تبدو اللامركزیة الإداریة والسیاسیة، في حدود ما یقرره الدستور والقانون، وسیلة لتوسیع المشاركة وإعداد قیادات جدیدة فلا ینبغي أن تنتظر كل مدینة، وكل محافظة، وكل مؤسسة تعلیمیة أو صحیة، إشارة من مركز واحد لكي تتحرك في كل شأن من شؤونھا.


إن توزیع الاختصاصات، مع المساءلة والرقابة، لا یضعف الدولة بالضرورة، بل قد یزید قدرتھا على الاستجابة لاحتیاجات.. المواطنین والفرق كبیر بین الدولة القویة والدولة التي تحتكر كل قرار في مركزھا.

فالقوة الحقیقیة قد تظھر في قدرة المؤسسات المحلیة على العمل، وفي وضوح مسؤولیاتھا، وفي وجود نظام یضمن التكامل بینھا تمامًا كما لا تحتاج الأوركسترا إلى أن یحرك القائد أصابع كل عازف، وإنما إلى أن تتكامل مھارات الجمیع.


ولكن… المجتمع لیس أوركسترا

صحیح أن الوطن لیس فرقة موسیقیة، والمواطنون لیسوا عازفین متعاقدین على أداء لحن واحد، وفي المجتمع الدیمقراطي، لا تقتصر حریة الإنسان على اختیار الطریقة التي یؤدي بھا دوره داخل رؤیة القائد، بل تشمل حقه في الاعتراض على الرؤیة نفسھا، والمشاركة في تغییرھا، بل واختیار قیادة أخرى.


والمعارضة السیاسیة لیست آلة نشازًا ینبغي إسكاتھا، قد تكون صوتًا یكشف خللًا، أو یقدم بدیلًا، أو یحذر من خطر لم تنتبه إلیه الأغلبیة، ولذلك فإن تعدد الأصوات في السیاسة أوسع وأعمق من تعدد الآلات في الموسیقى.. فالدیمقراطیة لا تطلب من الجمیع أن یتفقوا على لحن واحد، بل أن یتفقوا على قواعد تسمح لھم بالاختلاف والتنافس والتعاون وتداول المسؤولیة دون أن یھدموا الدولة. إن جمال الأوركسترا في وحدة الأداء، أما قوة المجتمع الحر ففي قدرته على إدارة الاختلاف.


وأخیرًا.. من یستحق التصفیق؟

في نھایة الحفل الموسیقي، یقف قائد الأوركسترا أمام الجمھور، وینحني تقدیرًا للتصفیق، لكنه غالبًا ما یلتفت إلى العازفین، ویطلب منھم الوقوف، ویشیر إلى بعض المجموعات أو العازفین الذین قدموا أداءً متمیزًا.. إنه یعرف أن نجاحه لا ینفصل عن نجاحھم.

وأتمنى أن تكون ھذه الصورة جزءًا من ثقافة القیادة في مجتمعاتنا، فالقائد الناجح لا یحتكر الإنجاز، ولا ینسب إلى نفسه ما صنعته أجیال من العاملین والمفكرین والعلماء والمعلمین والأطباء والمھندسین والمواطنین، ولا ینبغي أن یكون ھدف القیادة أن یقف الجمیع للتصفیق لشخص، بل أن یشعر الجمیع أنھم شاركوا في صنع النجاح.


إنني أؤمن بأن القیادة الحقیقیة لا تُقاس بعدد من یطیعون، بل بعدد من یستطیعون التفكیر والإبداع وتحمل المسؤولیة،
ولا تُقاس بقوة الصوت الأعلى، بل بقدرة الأصوات المختلفة على أن تتعایش وتتفاعل، ولا تُقاس بطول بقاء القائد أمام الأوركسترا، بل بقدرته على ترك موسیقى تستمر في وجدان الناس بعد أن یغادر المسرح.

الأوطان العظیمة لا تحتاج إلى قائد یعزف وحده لنفسه، ولا إلى شعب یصفق طوال الوقت، إنھا تحتاج إلى مؤسسات تحمي النوتة الدستوریة، ومواطنین أحرار یشاركون في كتابة المستقبل، وقیادات تعرف متى تتقدم، ومتى تنصت، ومتى تفسح الطریق لغیرھا.
لعل أجمل ما یمكن أن نتعلمه من الموسیقى ھو أن الانسجام لا یولد من إلغاء الاختلاف، بل من احترامه وتنظیمه وأن أعظم القادة لیس من یجعل الآخرین صدى لصوته، بل من یمنح أصواتھم القدرة على أن تُسمع.

الجريدة الرسمية