رئيس التحرير
عصام كامل

الجزائر تكسر عقيدتها العسكرية في النيجر.. مخاوف الإرهاب وتأمين الحدود والمصالح الاقتصادية تدفع بلد المليون شهيد لتعزيز نفوذها في الساحل الأفريقي

نادرا ما نشر الجيش
نادرا ما نشر الجيش الجزائري قوات خارج حدود بلاده
18 حجم الخط

يمثل قرار الجزائر نشر قوات عسكرية في النيجر تحولا لافتا في حساباتها الأمنية، مقارنة بعقيدتها العسكرية التقليدية القائمة على عدم نشر قوات خارج حدود البلاد. وبينما تفرض التطورات المتسارعة في منطقة الساحل الأفريقي تحديات أمنية متزايدة، تتداخل اعتبارات حماية الحدود ومواجهة التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، والحفاظ على المصالح الاقتصادية والاستراتيجية الجزائرية، ما يثير تساؤلات بشأن دوافع هذا التحرك وانعكاساته على دور الجزائر الإقليمي.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ضوء ندرة التحركات العسكرية الجزائرية خارج الحدود؛ حيث اقتصرت أبرز الحالات السابقة على مشاركتها في حرب أكتوبر 1973، بقوة بلغت نحو 3119 فردا من الجنود وضباط الصف والضباط. 

ويعكس نشر قوات في النيجر طبيعة التحديات الأمنية والاستراتيجية التي تواجهها الجزائر في محيطها الجنوبي، وخصوصا في دولة النيجر، والتي تعد الأكبر من حيث المساحة في غرب أفريقيا، ويبلغ عدد سكانها نحو 28.6 مليون نسمة. كما تتشارك الدولتان حدودا برية تمتد لنحو 951 كيلومترا، ما يجعل التطورات الأمنية داخل النيجر ذات أهمية مباشرة بالنسبة إلى حسابات الأمن القومي الجزائري.

ندرة التحركات العسكرية الجزائرية

تكتسب خطوة نشر قوات عسكرية جزائرية في النيجر أهمية خاصة بالنظر إلى ندرة مثل هذه التحركات؛ حيث لم يسبق للجزائر أن أرسلت قوات إلى الخارج إلا في حالات نادرة، أبرزها مشاركتها في حرب أكتوبر 1973، حين أرسلت نحو 3119 فردا من الجنود وضباط الصف والضباط. وبالتالي؛ فإن نشر قوات في النيجر يعكس خصوصية التحديات التي تواجهها الجزائر، في تلك الدولة الحبيسة التي تعد أكبر دولة في منطقة غرب أفريقيا من حيث المساحة، فيما يبلغ عدد سكانها 28.6 مليون نسمة، والتي تربطها حدود مع الجنوب والجنوب الشرق للجزائر، فيما تبلغ مساحة الحدود البرية المشتركة بين البلدين حوالي 951 كيلومترا.

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلا رئيس النيجر عبد الرحمن تياني
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون مستقبلا رئيس النيجر عبد الرحمن تياني

كما تعكس تلك الخطوة المخاوف الجزائرية من تدهور الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، التي تمثل عمقا استراتيجيا للجزائر ومصدرا مباشرا للتهديدات العابرة للحدود. فامتداد الحدود الجزائرية آلاف الكيلومترات مع مالي والنيجر يجعل أي اضطراب أمني في البلدين ذا تداعيات مباشرة على أمنها القومي، خصوصا مع تنامي نشاط الجماعات المسلحة وتزايد مخاطر انتقال التهديدات إلى الأراضي الجزائرية.

رفض المظاهر الاستعمارية

وفي السياق، تتخذ الجزائر مواقف حاسمة ضد أي تدخل عسكري في دول الجوار، معتبرة أن ذلك من شأنه زعزعة الاستقرار في تلك الدول، ما يستوجب اتخاذ القرارات التي تراها مناسبة للدفاع عن مصالحها الأمنية خارج حدودها، حتى مع استمرارها في التأكيد على مبادئ السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

وكان من أبرز تلك المواقف ما كشفه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون من أن بلاده أرسلت طائرات مقاتلة إلى النيجر في أواخر أغسطس 2026، في أعقاب محاولة انقلابية شهدتها العاصمة نيامي. وهو ما تزامن مع تقارير أعلنتها وزارة الدفاع الجزائرية في 30 أغسطس الماضي، عن إرسال أربع مقاتلات من طراز "سوخوي-30" إلى نيامي، إلى جانب طائرة نقل وطائرة للتزود بالوقود، لمساندة الجيش النيجري خلال الاضطرابات، التي وصفتها السلطات الجزائرية بمحاولة لزعزعة استقرار الحكومة العسكرية الحالية في النيجر.

عناصر من داعش في الصحراء
عناصر من داعش في الصحراء

كما تسعى الجزائر إلى تعميق التعاون الأمني في منطقة الساحل، وهي حزام جغرافي واسع يمتد من المحيط الأطلسي إلى البحر الأحمر، ويضم عدة دول تقع على طول الحدود الجنوبية للجزائر؛ وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى القدرات العسكرية التي تمتلكها الجزائر؛ حيث أنفقت الجزائر أكثر من 25 مليار دولار على قواتها المسلحة في عام 2025، مما يجعلها الدولة الأكثر إنفاقا على الجانب العسكري في أفريقيا، وفق "عهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام".

ويرى المرقبون أن نشر قوات جزائرية في النيجر يحظى بقبول شعبي، وذلك على النقيض من حالة الرفض التي تنتاب الشعب النيجري تجاه أي تدخل لقوات أجنبية أخرى، وتحديدا القوات الفرنسية، والتي يعتبرها الشعب النيجري -وغالبية سكان الساحل- استعمارا جديدا.

المخاوف من التنظيمات الإرهابية

يخوض الجيش النيجري قتالا واسعا ضد جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، خصوصا في المناطق الغربية من البلاد، فيما تعرض مطار نيامي لهجمات في وقت سابق من العام الحالي؛ حيث استهدفه تنظيم الدولة الإسلامية في منطقة الساحل في يناير 2026، قبل أن تستهدفه جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، المرتبطة بتنظيم القاعدة، في يونيو الماضي.

ويبرز فرع "ولاية غرب إفريقيا" كأحد أكثر فروع التنظيم نشاطا على مستوى العالم، حيث يواصل تكثيف هجماته على الأهداف العسكرية والمدنية، مستغلا الفراغ الأمني والمظالم المحلية لتعزيز نفوذه، مما يجعل وضع المنطقة مقلقا ويستدعي اهتماما دوليا عاجلا كما عكسه التقرير الاستراتيجي نصف السنوي الـ22 للأمين العام للأمم المتحدة، والذي صدر في فبراير الماضي.

تشهد منطقة بحيرة تشاد تصاعدا في الاشتباكات بين الجماعات الإرهابية
تشهد منطقة بحيرة تشاد تصاعدا في الاشتباكات بين الجماعات الإرهابية

ويتمتع "داعش" بتواجد قوي في غرب القارة ومنطقة الساحل، حيث تشير التقديرات إلى نسبة الوفيات المرتبطة بالإرهاب في منطقة الساحل الأفريقي بلغت 51% في عام 2024، فيما لقي نحو 200 شخص مصرعهم في منطقة بحيرة تشاد في يوم واحد بتاريخ 10 نوفمبر 2025 جراء اشتباكات اندلعت بين عناصر بوكو حرام وتنظيم داعش الإرهابي بغرب أفريقيا على ضفاف بحيرة تشاد.

وتنظر الجماعات الإرهابية إلى بحيرة تشاد على أنها منطقة آمنة، حيث تقع حدودها الجغرافية بين أربعة بلدان (الكاميرون- نيجيريا- النيجر- تشاد)، إضافة إلى قربها من غابة سامبيسا الممتدة على مساحة شاسعة من الأراضي، والتي تصنف على أنها أكبر غابات المنطقة، مما يجعلها بعيدة عن سيطرة الدولة الوطنية، بحسب "التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب".

النيجر ومنطقة حوض بحيرة تشاد

وفي السياق، كانت منطقة حوض بحيرة تشاد بؤرة رئيسية لنشاط العديد من التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود والجريمة؛ حيث شهدت 859 هجوما إرهابيا خلال عام 2024 بالدول الأربعة الواقعة على البحيرة، بينها 449 هجوما في الكاميرون، و267 هجوما في نيجيريا، و126 هجوما في النيجر، بالإضافة إلى 17 هجوما في تشاد. وتنوعت الهجمات ما بين تنظيم "بوكو حرام" و"داعش"، واللتان تستحوذان على حوال 65% من جملة الهجمات الإرهابية عبر منطقة حوض بحيرة تشاد.

وبحسب تقارير إعلامية، يعد ما يعرف بـ"ولاية غرب إفريقيا" أحد أكثر فروع تنظيم الدولة الإسلامية نشاطا مستوى العالم، بعدما شن نحو 215 هجوما في 2025؛ أي نحو 35% من جملة هجمات التنظيم وفروعه حول العالم خلال تلك الفترة. فيما كانت مناطق الساحل وغرب أفريقيا مسرحا لنحو 24.5% من إجمالي الهجمات الإرهابية (الكلية) على مستوى العالم خلال عام 2024.

التجربة الجزائرية ضد الإرهاب

وتنظر الجزائر بقلق بالغ إلى تنامي تلك التنظيمات، خصوصا وأن التجربة الجزائرية في مكافحة الإرهاب تعد من أبرز التجارب الدولية؛ حيث مرت بمراحل صعبة ومعقدة خلال العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي (1992 - 2002)، قبل أن تنجح في احتواء نحو 15 ألف مقاتل جرى إعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع الجزائري، بعد صراع مسلح أودى بحياة ما بين 100 ألف إلى 150 ألف قتيل بحسب التقديرات الرسمية الجزائرية، وسط تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عدد الضحايا تجاوز حاجز الـ200 ألف، بالإضافة إلى آلاف المفقودين والجرحى والمصابين بصدمات نفسية، وخسائر مادية هائلة قدرت بعشرات مليارات الدولارات، وفق تقرير نشرته هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي".

ولا يخلو الرفض الجزائري للتدخلات الأجنبية من مخاوف ثقافية، انعكست على السياسات الجزائرية على كافة المناحي، ومنها التحول الكبير الذي شهدته المنظومة التعليمية في الجزائر بمنح الصدارة للغة الإنجليزية كلغة أجنبية أولى في المدارس الابتدائية على حساب اللغة الفرنسية.

يؤكد عضو مجلس الأمة الجزائري بلقاسم بولجيتي، في تصريحات لوكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية، أن نشر القوات الجزائرية في النيجر يستهدف حماية المنشآت النفطية التابعة لشركة الطاقة الوطنية الجزائرية "سوناطراك"، وحماية المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للجزائر في النيجو، وخصوصا منشآتها النفطية.

وبحسب تقرير نشره "مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية"، وبالتالي، ترى الجزائر أن استقرار النيجر أمر بالغ الأهمية بالنسبة للاقتصاد الجزائري والمشروعات الجزائرية الإقليمية المختلفة.

ومن بينه هذه المشروعات خط أنابيب الغاز عبر الصحراء الذي يبلغ طوله 4100 كيلومتر، ويستهدف ربط نيجيريا بالجزائر عبر النيجر وتصدير الغاز الطبيعي إلى أوروبا، بالإضافة إلى الطريق السريع العابر للصحراء الذي يبلغ طوله 4800 كيلومتر ويربط الجزائر العاصمة ولاجوس ويعبر النيجر أيضا.

الجريدة الرسمية