الانتخابات الإسرائيلية.. نتنياهو وآيزنكوت وبينيت وليبرمان ووينتر يتنافسون على السلطة فوق ركام غزة ودماء الفلسطينيين.. فمن يحصد أصوات الناخبين ومن يدفع الثمن؟
"عندما ينغمس الطاغية في المجازر لحماية كرسيه، يكتشف أن الدم لا يتوقف"؛ مقولة ربما لخصت الجانب الأبرز من المشهد الانتخابي في إسرائيل، حيث يتوجه الناخبون الإسرائيليون اليوم الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026، إلى صناديق الاقتراع، وسط سباق سياسي بدا فيه الدم الفلسطيني ورقة للمزايدة بين المتنافسين، ومحاولة لاستثمار المجازر في حسم معركة السلطة.
ربما يجد كثير من العرب في رحيل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إن حدث، سببا للارتياح، بعد حرب إبادة مدمرة شنها في قطاع غزة، وخلفت حصيلة ثقيلة من الضحايا الفلسطينيين. فمنذ 7 أكتوبر 2023 وحتى أمس الإثنين، ارتفع عدد الضحايا الفلسطينيين في القطاع المحاصر إلى 74 ألف و555 شهيدا.
وشكلت الفئات الأكثر هشاشة أكثر من نصف حصيلة القتلى، وتشمل الأطفال (أقل من 18 عاما)، بواقع 21 ألفا و784 شهيدا بنسبة بلغت 29.65%، والنساء (18 - 59 عاما) بواقع 11 ألف و213 شهيدة، بنسبة 12.26%، ثم كبار السن بعدد 5355 شهيدا بنسبة 7.29%، فيما يظل نزيف الدم الفلسطيني مستمرا، تاركا وراءه مآسي إنسانية تتجاوز حسابات الانتخابات وصراعات السلطة.
نتنياهو.. مجرم حرب الإبادة
ولم تكن حرب الإبادة على غزة، وحدها التي تلاحق نتنياهو، المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة؛ حيث تولى منصب رئاسة الوزراء لأول مرة عام 1996 وحتى 1999، ثم شغل نفس المنصب من 2005 إلى 2021 وعاد إليه في 29 ديسمبر 2022 إلى يومنا الحالي. ففي 14 نوفمبر 2012، أمر نتنياهو بتنفيذ "عملية عمود السحاب"، التي استمرت ثمانية أيام، والتي استشهد خلالها نحو 180 فلسطينيا، بينهم 42 طفلًا و11 امرأة، وجرح نحو 1300 آخرين.
وفي 8 يوليو 2014، شن ما يعرف بـ"عملية الجرف الصامد"، والتي شهدت استهداف غزة بسنة آلاف غارة جوية، وحوالي 50 ألف قذيفة دبابة ومدفعية على مدى 50 يوما، ما أدى لاستشهاد أكثر من 2251 فلسطينيا من بينهم 551 طفلا و299 امرأة، وإصابة أكثر من 11 ألف فلسطيني، وإضافة أكثر من 1500 طفل فلسطيني إلى قوائم "الأيتام".

واشتهر نتنياهو خلال سنوات حكمه بالعمل على إجهاض أي مفاوضات من شأنها إقامة دولة فلسطينية، والتوسع في إقامة المستوطنات الصهينيونية في الضفة الغربية المحتلة، واستهداف الأماكن الدنية المسيحة والإسلامية في القدس المحتلة، وتبني سياسات الإعدامات الميدانة والاغتيالات بحق القيادات الفلسطينية، متشبعا بأفكار والده المؤرخ اليميني المتطرف بن تسيون نتنياهو، والذي عرف بعدائه للعرب والمسليمن، حتى أنه أسس مجلة دعت صراحة إلى استخدام القوة ضد العرب في عام 1937.
وبحسب تقديرات إعلامية، فقد وصف خبير المن القومي الإسرائيلي نتنياهو بأنه "مهووس بالبقاء السياسي، حتى لو قاد إسرائيل إلى عزلة داخلية وخارجية"، بينما يصفه عالم النفس الأمريكي جيرولد بوست بأنه "نموذج للشخصية النرجسية القادرة على تبرير العنف كوسيلة للزعامة".
جادي آيزنكوت.. عراب سياسات الدم
وفي قلب المشهد الدموي، يبرز منافس نتنياهو الأقوى جادي آينزنكوت بتاريخ شديد الدموية؛ ففي عام 2003، تولى رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ورئيس حزب "يشار" قيادة فرقة جيش الاحتلال في الضفة الغربية المحتلة خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في 28 سبتمبر 2000 واستمرت حتى 8 فبراير 2005، وهي الانتفاضة التي اندلعت عقب اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك السفاح أرييل شارون باحات المسجد الأقصى تحت حماية مشددة من جيش الاحتلال.
وخلال توليه تلك الفرقة، استخدم آيزنكوت الصواريخ وقذائف الدبابات والرصاص المطاطي والحي والقنابل الغازية والصوتية والحارقة ضد المدنيين الفلسطينيين، واتبع سياسة الإعدامات الميدانية للفلسطينيين، ما أدى إلى استشهاد 4412 فلسطينيا، إضافة إلى 48 ألفا و322 مصابا، فضلا عن ملاحقة الناشطين وقادة الفصائل وقتلهم أو الزج بهم في السجون وإصدار أحكام عالية بحقهم كما حدث مع القيادي في حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) مروان البرغوثي والأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أحمد سعدات.

ويوصف آيزنكوت بـ"عراب إستراتيجية الضاحية في لبنان عام 2006"؛ وهي استراتيجية اعتمدت على تدمير البنية التحتية للضاحية، واعتبار سكانها "محاربين لإسرائيل"، مستندا إلى نصوص تلمودية تبيح أساليب القتل والتدمير والإبادة لبني إسرائيل في حروبهم مع الآخرين. وتوسع جيش الاحتلال في تبني استراتيجية آيزنكوت في جرائم الحرب المتكررة على الفلسطينيين في غزة، ومنها عملية "الرصاص المصبوب" في ديسمبر 2008، ما أسفر عن استشهاد حوالي 1400 فلسطينيا، بينهم 300 طفل، فيما وصفته الأمم المتحدة بـ"تعمد معاقبة وإذلال وترويع السكان المدنيين".
وفي "عملية الجرف الصامد" التي شنتها سلطات الاحتلال على غزة، بأوامر من نتنياهو، كانت استراتيجية آيزنكوت سيدة المشهد الدموي، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 1500 مدنيا فلسطينيا خلال 50 يوما فقط، بينهم أكثر من 500 طفل، فيما استهدفت قوات الاحتلال محطة توليد الكهرباء الوحيدة في غزة، وسوت أحياء بأكملها بالأرض، في مذابح وصفت بأنها "ترتقي إلى ارتكاب جرائم حرب"، بحسب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
وانضم آيزنكوت إلى حكومة الطوارئ ومجلس الحرب الإسرائيلي عقب 7 أكتوبر 2023، وساهم لمدة 8 أشهر في صياغة وإدارة حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، والتي أدت إلى دمار واسع في القطاع غزة، قبل أن ينسحب لاحقا منتقدا أداء حكومة نتنياهو وغياب استراتيجية واضحة لليوم التالي للحرب، على حد وصفه.
نفتالي بينيت.. رائحة اللحم البشري تفوح من قانا
ما بين رائحة اللحم البشري المحترق، وجثث وأشلاء القتلى، ارتبط اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق نفتالي بينيت، والذي يطرح نفسه بقوة في انتخابات اليوم الثلاثاء، مدعوما بزعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد ضمن تحالف "معا"، بمجزرة قانا الأولى؛ حيث قاد القوة التي هاجمت مركز إيواء تابع للأمم المتحدة في مدينة قانا، الواقعة على بعد نحو 95 كيلومترا من العاصمة بيروت.
وتقول دفاتر المجزرة إن بينيت كان يخدم كضابط في وحدة النخبة "ماجلان" خلال عملية "عناقيد الغضب" في لبنان عام 1996، وتولى قيادة قوة قوامها 76 جنديا. وخلال تلك الفترة، ارتبط اسمه بمجزرة قانا الأولى، التي أسفرت عن مقتل 106 مدنيا (تشير بعض التقارير إلى ارتفاع العدد إلى 122 شهيدا)، وإصابة 250 آخرين، معظمهم من النساء والأطفال وكبار السن، إثر قصف استهدف مركز إيواء تابع لقوات الأمم المتحدة.
ووقعت مجزرة قانا في 18 أبريل 1996؛ حيث استهدفت إسرائيل مركز قيادة "فيجي" التابع لقوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، والذي احتمى داخله أكثر من 800 مدني لبناني هربا من الغارات الإسرائيلية.

وبحسب جريدة "إسرائيل اليوم"، قال بينيت: خرجت بالفعل إلى لبنان كي أدافع عن سكان الشمال وعلى مدى ثمانية أيام، مع عشرات المقاتلين، عملنا هذا بالضبط، لن أعتذر عن هذا، وأنا فخور به.
وعرف عن بينيت دعمه القوي للمشروعات الاستيطانية التوسعية في الضفة الغربية المحتلة، والعصابات الداعمة لها، وفي القلب منها العليات الإرهابية التي ظهرت عام 2008، تحت اسم "تدفيع الثمن"، وانطلقت من مستوطنة "يتسهار"؛ حيث دعم حزب "يمينا"، برئاسة بينيت –آنذاك- توغل المشروع الاستيطاني في الضفة والأغوار والقدس المحتلة، وهيمنة المستوطنين على معسكر اليمين الإسرائيلي، ونفذت عمليات إرهابية وهجمات على الفلسطينيين، والمساجد والكنائس والمقابر، واستبدالها بمعالم توراتية مزيفة.
أفيجدور ليبرمان.. تحريض على تصفية أبو مازن
اتتهر أفيجدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتينا اليميني المتطرف بمواقفه العنصري ضد العرب والفلسطينيين، والتي بلغت حد الدعوة لتدمير مناطق فلسطينية وتحويلها إلى ما وصفه بـ"ملاعب كرة قدم"، في تعبير يعكس حجم الدمار الذي يتبناه خطابه تجاه الفلسطينيين، بحسب "النركز الفلسطيني للإعلام".
كما يدعو ليبرمان إلى تهجير الفلسطينيين، سواء قسريا، أو من خلال ما يصفه بـ"التهجير بالاتفاق"، عن طرق دفع الفلسطينيين إلى مغادرة وطنهم تحت غطاء التفاهم السياسي. ويتضمن برنامجه العنصري تصورا يقوم على إنشاء كانتونات فلسطينية محدودة في الضفة الغربية المحتلة، وطرح ضم منطقة المثلث، التي يقطنها فلسطينيون داخل الأراضي الفلسطينية، إلى الضفة الغربية المحتلة تحت شعار "التبادل السكاني".

ولا يقتصر هذا التصور على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1967، بل يمتد إلى فلسطينيي الداخل، إذ يربط ليبرمان بقاءهم بحقوق وشروط سياسية وقومية تثير مخاوف بشأن المساواة والمواطنة، فضلا عن إطلاق تصريحات تحريضية ضد الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، ووصمه بـ "الإرهاب الدبلوماسي"، وهو ما اعتبرته القيادات الفلسطينية تهديدا مباشرا للحياة وتحريضا على التصفية، بحسب تقارير إعلامية.
وخلال حرب الإبادة الإسرائيية على غزة، طالب بقطع المياه والكهرباء ومعاقبة المدنيين في قطاع غزة، واستخدام أقصى درجات القوة، ووصف فئات واسعة من الفلسطينيين بتعبيرات تحريضية.
عوفر وينتر.. ورقة الدم المرجحة
على الرغم من أنه ليس منافسا قويا في الانتخابات الإسرائيلية التي تجري اليوم، إلا أن اليميني المتطرف عوفر وينتر يمثل حلقة بارزة في تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة من خلال زعامته لحزب "شعب إسرائيل"، معتمدا على ماض عسكري ارتبط بأحد أكثر فصول الحرب الإسرائيلية على غزة دموية، حاملا معه إرثا حربيا مثقلا بالدماء وخطابا دينيا قوميا متطرفا.
ارتبط اسم وينتر بالعديد من المذابح التي طالت المواطنين الفلسطينيين دموية خلال حرب غزة عام 2014، ومنها مجزرة "الجمعة السوداء" في رفح أثناء توليه "لواء جفعاتي"؛ ففي مطلع أغسطس 2014، استخدم الكثافة النارية الهائلة من خلال تفعيل "بروتوكول هانيبال"، وهو إجراء عسكري سري يطبقه حيش الاحتلال الإسرائيلي لمنع أسر جنوده، حتى لو تطلب الأمر قتل الجندي المأسور مع خاطفيه؛ ما أسفر عن استشهاد أكثر من 150 مدنيا فلسطينيا، بينهم نحو 75 طفلا فلسطينيا، وإصابة أكثر من الف جريح فلسطيني، خلال ساعات جراء القصف العشوائي المكثف؛ وأدى القصف الهستيري إلى عزل مستشفى أبو يوسف النجار، ووضع جثامين الأطفال في ثلاجات تجارية لعدم اتساع ثلاجات الموتى.

وقاد وينتر لواء جفعاتي في جيش الاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عام 2014، وعمل قائدا لوحدة "دفدوفان" الإسرائيلية، وهي وحدة من المستعربين تأسست عام 1986 بمبادرة من رىيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، قائد المنطقة الوسطى آنذاك، لتنفيذ عمليات خاصة لجيش الاحتلال؛ حيث يتنكر أفرادها بزي مدني عربي ويجيدون اللهجة الفلسطينية لدمجهم بين السكان، لتنفيذ عمليات اغتيال دقيقة، واختطاف واعتقال مطلوبين فلسطينيين داخل المدن والقرى والمخيمات، خصوصا في الضفة الغربية المحتلة.
ويتبنى وينتر مواقف متطرفة للغاية تجاه الفلسطينيين، مؤمنا بأن الحل الوحيد لقضية غزة هو التهجير الجماعي والترحيل القسري لسكان غزة، وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على القطاع بحيث يصبح بلا وجود عربي.




