رئيس التحرير
عصام كامل

الانتخابات الإسرائيلية بدون حمامة سلام.. "ذا جارديان" البريطانية: استهداف غزة ورقة انتخابية ودماء 20 ألف طفل فلسطيني تبدد آمال التسوية السياسية

مليون نازح فلسطيني
مليون نازح فلسطيني و75 ألف شهيد جراء الإبادة الإسرائيلية
18 حجم الخط

"ما أصعب أن تتعايش مع فكرة أن مصيرك بيد شخص يكرهك"، مقولة ربما جسدت الواقع المؤلم الذي يعيشه سكان قطاع غزة، على بعد ساعات قليلة من الانتخابات الإسرائيلية التي تجري بعد غد الثلاثاء 27 أكتوبر 2027؛ فبينما تستعد إسرائيل للتوجه إلى صناديق الاقتراع، يترقب الفلسطينيون في القطاع المحاصر نتائج قد ترسم ملامح مستقبلهم، مدركين أن مصيرهم بات معلقا بيد سلطات الاحتلال التي حولت جزءا كبيرا من أراضيهم إلى ركام، وتسببت في استشهاد أكثر من 75 ألف فلسطيني جراء حرب الإبادة التي شنتها قوات الاحتلال في 7 أكتوبر 2023.

وفي قطاع غزة، حيث يواجه نحو مليون فلسطيني نازح ظروفا صحية بالغة السوء، ونقصا حادا في المياه، وتهديدا مستمرا بالغارات الإسرائيلية، ركز كل من بنيامين نتنياهو اليميني المتطرف وحزب "ياشار" المعارض بقيادة رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق جادي آيزنكوت على هدف القضاء على حركة حماس. أما الكارثة اللا إنسانية التي تتكشف فصولها على الجانب الآخر من الحدود، فلم تحظ إلا بالقليل من الاهتمام، إن وجد أصلا، وفق تقرير نشرته جريدة "ذا جارديان" البريطانية.

عقلية إسرائيلية صهيونية واحدة

تنقل جريدة "ذا جارديان" عن المواطن الفلسطيني سامي أبو رومي، البالغ من العمر 47 عاما وأحد سكان رفح والذي يقيم حاليا كنازح في منطقة المواصي بخان يونس، قوله: "نأمل أن تصل إلى السلطة حكومة أقل ميلا للقتل والتهجير والإبادة بحقنا. لكننا، في نهاية المطاف، نرى أن عقلية الحكومات الإسرائيلية متشابهة إلى حد كبير".

ولم يطرح أي من نتنياهو أو آيزنكوت –بحسب الجريدة- خطة واضحة لمستقبل غزة؛ إذ "تعهد كلاهما بإنهاء حكم حماس، كما يدعم الطرفان خطة السلام المثيرة للجدل التي اقترحها دونالد ترامب".

ليس بين المتنافسين حمامة سلام

أما آيزنكوت، القائد العسكري السابق الذي يتقدم حزبه على حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو في استطلاعات الرأي، فقد تعهد باستعادة مكانة إسرائيل الدولية بعد ثلاث سنوات من الحرب. ومع ذلك، فهو ليس من دعاة السلام.

يائير جولان عن حزب
يائير جولان عن حزب "الديمقراطيين" و"القائمة المشتركة" التي يقودها عرب، فيتو

وتقول "ذا جارديان": كان آيزنكوت قائدا بارزا خلال حرب إسرائيل ضد حزب الله عام 2006، كما تبنى لاحقا ما يعرف بـ "عقيدة الضاحية"، التي تدعو إلى استخدام قوة مفرطة ضد المناطق المدنية التي ينشط فيها مسلحون. 

ويشير منتقدون إلى أن هذه الاستراتيجية طبقت في غزة، مما أدى إلى دمار واسع النطاق، وهو ما يعتبرونه يرقى إلى مستوى جرائم الحرب، وفق الجريدة البريطانية.

معاناة غزة مادة للاستهلاك الانتخابي

يضيف أبو رومي: "يتحدث آيزنكوت عن هزيمة حماس، بينما يتباهى نتنياهو بالعمليات العسكرية وقتل الفلسطينيين. لقد تحولت معاناة غزة إلى مادة للاستهلاك في الحملات الانتخابية، في حين تكافح العائلات هنا لتوفير الطعام لأطفالها، وضمان استمرار تعليمهم، والحصول على الرعاية الطبية. فمع تدمير المنازل والبنية التحتية، أصبح مجرد البقاء على قيد الحياة صراعا يوميا".

في وقت سابق من هذا الأسبوع، بثت "القائمة المشتركة" - وهي تحالف تقوده شخصيات عربية في إسرائيل- مقطع فيديو انتخابيا مدته 48 ثانية، تضمن لقطات جرى تصويرها بطائرات مسيرة لدمار لحق بقطاع غزة. 

ويقول التعليق الصوتي في المقطع: "نتصرف وكأن كل ما حدث هنا أمر طبيعي تماما؛ وكأن عشرات الآلاف من البشر لم يقتلوا هنا... وكأن مدنا بأكملها لم تُدمَّر وتتحول إلى أراض قاحلة".

وتتعهد القائمة بأنها "لن تصمت"، مضيفة: الأحزاب الأخرى يريدون المزيد من الدمار، أما نحن فنقدم الحياة".

تشاؤم الفلسطينيين في غزة سيد الموقف

وتبدو فرص انضمام الأحزاب العربية إلى ائتلاف حكومي يقوده آيزنكوت – بحسب "ذا جارديان"- ضئيلة للغاية، إن لم تكن معدومة، رغم إمكانية تقديمها الدعم من خارج الحكومة. ومع ذلك، يسود شعور عميق بالتشاؤم بين الفلسطينيين في غزة؛ إذ لا يتوقع أحد حدوث تغيير يذكر بغض النظر عن هوية الفائز.

رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ومنافس بنيامين نتنياهو المباشر جادي آيزنكوت
رئيس الأركان الإسرائيلي الأسبق ومنافس بنيامين نتنياهو المباشر جادي آيزنكوت، فيتو

وتقول حنين حمدونة، المواطنة الفلسطينية البالغة من العمر 45 عاما من بيت لاهيان والتي نزحت بدورها إلى منطقة المواصي: "لا أعتقد أن أحدا يهتم حقا بغزة أو يضع مصالح أهلها نصب عينيه. فسواء كان نتنياهو أو آيزنكوت أو غيرهما، يبدو أن مهاجمة غزة أصبحت جزءا من الحملات الانتخابية الإسرائيلية".

صدمة تتكرر مع كل انتخابات

تضيف حمدونة في تصريحات لـ"ذا جارديان": "لسنوات، كنا نقول إن الحكومة القادمة قد تكون أفضل من سابقتها، لكننا كنا نصدم دائما بأنها تكون أسوأ. ربما يسمح بدخول 200 شاحنة إلى غزة بدلا من 100، لكن هذا لن يعني حدوث أي تغيير حقيقي في حياتنا". 

في غزة، ينشغل معظم الناس بصراعهم من أجل الحصول على الطعام والماء، مما يجعلهم غير قادرين على متابعة الحملة الانتخابية. وتتزايد المخاوف من عودة شبح الجوع، في ظل نقص المنتجات الطازجة والسلع الأساسية في الأسواق.

ويشير السكان – بحسب الجريدة البريطانية - إلى أن الإمدادات التجارية متوقفة منذ نحو أسبوع، مما أدى إلى ارتفاع الأسعار؛ حيث بات سعر الدقيق الآن أكثر من ثلاثة أضعاف سعره السابق، في حين جعل تضاؤل المساعدات الإنسانية العائلات أكثر عرضة لخطر أزمة غذائية جديدة.

الخوف من المستقبل

ومع ذلك، يتابع بعض سكان غزة الانتخابات الإسرائيلية عن كثب، ليس بدافع الأمل في التغيير، بل خوفا مما قد تحمله نتائجها لمستقبلهم، وفق "ذا جارديان".

وتقول الجريدة في تقريرها: يخشى سكان غزة من أن تكون معاناة الفلسطينيين قد أصبحت سمة متكررة في الحملات الانتخابية الإسرائيلية؛ حيث يتنافس المرشحون على تبني الموقف الأكثر تشددا تجاه غزة، بدلا من تقديم أي أفق لمستقبل أفضل.

الحصار الإسرائيلي والانهيار الاقتصادي يزيدان أعباء سكان غزة
الحصار الإسرائيلي والانهيار الاقتصادي يزيدان أعباء سكان غزة، فيتو

ويقول كريم مريش الفلسطيني البالغ من العمر 43 عاما: "كان من المفترض أن يقيم أحد أصدقائي حفل زفاف ابنه خلال الأيام المقبلة، لكنه قرر تأجيله إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. فقد ساوره القلق من احتمال فوز حكومة اليمين المتطرف بولاية أخرى، مما قد يؤدي إلى تجدد الحرب ويضطره للنزوح مجددا؛ وهو ما يعني فقدانه لخيمته ولوازم الزفاف التي كافح طويلًا لتوفير ثمنها".

تحويل الجوع إلى سلاح للحرب

من الصعب العثور على بصيص أمل في غزة، حيث حولت ثلاث سنوات من حرب الإبادة الإسرائيلية المدينة بأكملها إلى مساحات قاحلة من الخرسانة المحطمة وفوهات القنابل. 

وتقول الجريدة: يزداد الأمر صعوبة في ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الغذاء والمساعدات الإنسانية، والتي حولت الجوع إلى سلاح من أسلحة الحرب. كما يبدو من المستحيل تقريبا رؤية أي ضوء في نهاية النفق، في وقت قتل فيه أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني منذ 7 أكتوبر 2023.

وتنقل "ذا جارديان" عن المواطنة الفلسطينية نور المغني، البالغة من العمر 20 عاما وأحد سكان مدينة غزة قولها: "سواء فاز نتنياهو أو خسر، فإن الواقع هنا لن يتغير. فمن وجهة نظري، هدفهم هو تدمير غزة وتدمير مقومات الحياة فيها".

الجريدة الرسمية