رئيس التحرير
عصام كامل

بعد توقيع الاتفاقية بين تركيا وليبيا، اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية في ضوء القانون الدولي.. هناك اختلافات بين ترسيم الحدود وتحديدها ميدانيا

ليبيا وتركيا، فيتو
ليبيا وتركيا، فيتو
18 حجم الخط

بعد موافقة مجلس النواب الليبي بالإجماع، في 20 أكتوبر الجاري، على اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا، رغم رفضها في عامي 2019 و2020، انتشرت تساؤلات واشتغلت محركات البحث، عن مدى انتهاك هذه الاتفاقية لحقوق مصر في شرق البحر المتوسط والقانون الدولي، وتعريف  اتفاقيات ترسيم الحدود بشكل عام.

تعريف ترسيم الحدود 

تأتي الحدود الدولية، من أهم العناصر التي تقوم عليها الدولة، لأنها تحدد نطاق سيادتها واختصاصها الإقليمي، وتفصل بين أراضي الدول ومجالاتها البحرية، اتفاقيات ترسيم الحدود باعتبارها وسيلة قانونية لتنظيم العلاقات بين الدول وتحديد نطاق كل دولة بصورة واضحة، بما يساهم في الحد من النزاعات وتعزيز الاستقرار.

مفهوم اتفاقية ترسيم الحدود

يقصد باتفاقية ترسيم الحدود الاتفاق الدولي الذي يتم بين دولتين أو أكثر بهدف تحديد الخط الفاصل بين أقاليمها البرية أو البحرية، وتوضيح موقعه من خلال الخرائط والإحداثيات والمعالم الجغرافية. 

وتُعد هذه الاتفاقيات، متى استوفت شروط المعاهدة الدولية، ملزمة لأطرافها وفقًا لقواعد القانون الدولي.

ويجب التمييز بين ترسيم الحدود وتحديدها ميدانيًا؛ فالترسيم يتعلق بتحديد الخط الحدودي من الناحية القانونية، بينما يتمثل التحديد الميداني في وضع العلامات الحدودية وتحويل الخط المتفق عليه إلى نقاط وإحداثيات واضحة على أرض الواقع، ولذلك ربما تتضمن الاتفاقية إنشاء لجنة مشتركة للإشراف على تنفيذ الحدود وصيانتها.

الأساس القانوني لترسيم الحدود

تستند الدول في تحديد حدودها إلى عدة مصادر، أهمها المعاهدات والاتفاقيات الدولية السابقة، والاتفاق المباشر بين الدول، والأحكام القضائية والقرارات التحكيمية الدولية.

 يبرز في بعض الحالات مبدأ Uti Possidetis Juris، الذي يهدف خصوصًا في حالات إنهاء الاستعمار إلى الحفاظ على الحدود الإدارية القائمة عند حصول الدولة على استقلالها، تجنبًا لنشوء نزاعات إقليمية جديدة.

وتحظى اتفاقيات الحدود بأهمية خاصة في القانون الدولي بسبب ارتباطها باستقرار الأقاليم. ولذلك فإن وجود اتفاقية حدودية واضحة يمثل عاملًا مهمًا في تحقيق الاستقرار، ولا يكفي عادةً الاعتماد على مجرد السيطرة الفعلية على منطقة معينة لإثبات الحق فيها إذا كان هناك سند قانوني دولي ينظم الحدود.

اتفاقيات ترسيم الحدود البحرية

تختلف الحدود البحرية عن الحدود البرية، بسبب طبيعة البحر وتعدد المناطق البحرية التي تخضع لأنظمة قانونية مختلفة. وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الإطار القانوني الأساسي لتنظيم هذه المسائل، حيث تحدد حقوق الدول الساحلية وقواعد ترسيم الحدود البحرية بينها، فالبحر الإقليمي يمكن أن يمتد إلى 12 ميلًا بحريًا، بينما تشمل المناطق البحرية الأخرى المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، ولكل منها طبيعتها وحقوقها القانونية الخاصة.

ويُقصد بالبحر الإقليمي، المنطقة البحرية التي تمارس الدولة الساحلية عليها سيادتها وفقًا للقانون الدولي، في حين تمنح المنطقة الاقتصادية الخالصة الدولة حقوقًا سيادية تتعلق باستغلال الموارد والأنشطة الاقتصادية، أما الجرف القاري فيرتبط بحقوق الدولة في قاع البحر وباطن أرضه. لذلك فإن ترسيم الحدود البحرية لا يقتصر على تحديد خط فاصل بين الدول، بل قد تكون له آثار اقتصادية واستراتيجية مهمة، خاصة فيما يتعلق باستغلال النفط والغاز والثروات البحرية.

أهمية اتفاقيات ترسيم الحدود

تساهم اتفاقيات الحدود في تحقيق الاستقرار السياسي والأمني بين الدول، لأنها تحدد بصورة واضحة نطاق السيادة والاختصاص لكل دولة.

 كما تساعد على حماية الموارد الطبيعية وتنظيم استغلالها، وتشجع الاستثمار من خلال توفير قدر أكبر من اليقين القانوني، إضافة إلى إمكانية تنظيم حركة السكان والتجارة والتعاون في المناطق الحدودية.

وعندما تفشل الدول في التوصل إلى اتفاق، يمكنها، وفقًا للأساس القانوني المتاح وقبولها بالاختصاص، اللجوء إلى وسائل التسوية السلمية، مثل التحكيم الدولي أو محكمة العدل الدولية، ونظرت المحاكم والهيئات الدولية في العديد من النزاعات المتعلقة بالحدود البرية والبحرية، وأسهمت أحكامها في توضيح قواعد القانون الدولي المتعلقة بهذه المسائل.

ويتضح أن اتفاقية ترسيم الحدود ليست مجرد وثيقة تحدد خطًا جغرافيًا على الخريطة، وإنما هي اتفاق قانوني وسياسي وفني يهدف إلى تثبيت حدود الدول وتحقيق الاستقرار بينها. 

وتزداد أهميتها عندما ترتبط الحدود بالموارد الطبيعية أو بالمصالح الأمنية والاقتصادية. ومن ثم، فإن وضوح الاتفاقية ودقة الخرائط والإحداثيات ووجود آليات مناسبة لتنفيذها وتسوية الخلافات بشأنها تعد عناصر أساسية لضمان استقرار الحدود واستمرار التعاون بين الدول.

الجريدة الرسمية