دراسة للمستشار محمد خفاجي تكشف الإشكاليات القانونية لاتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين تركيا وليبيا
لم تعد البحار مجرد مساحات مائية تفصل بين الدول، وإنما أصبحت امتدادًا لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية، ومجالًا للتنافس على الثروات الطبيعية ومصادر الطاقة، وميدانًا لاختبار قدرة القانون الدولي على التوفيق بين حرية الدول في إبرام المعاهدات وحماية حقوق الدول الأخرى.
وفي شرق البحر المتوسط، تبرز مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية في 27 نوفمبر 2019 بشأن تحديد مناطق الاختصاص البحري، بوصفها إحدى أكثر المسائل إثارة للجدل في القانون الدولي المعاصر. وقد تجدد الجدل حولها عقب موافقة مجلس النواب الليبي عليها في 20 أكتوبر 2026، وما أعقب ذلك من اعتراضات مصرية ويونانية ومواقف أوروبية رافضة.
وفى دراسة حديثة مهمة للفقيه المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجى نائب رئيس مجلس الدولة بعنوان «ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا في شرق البحر المتوسط: دراسة في مدي مشروعية الاتفاقية وآثارها في حقوق الدول الثالثة (مصر- اليونان- قبرص) في ضوء القانون الدولي للبحار».
وقد تناول الفقيه القاضي أن الإشكالية لا تنحصر في مدى صحة الاتفاق بين طرفيه، وإنما تمتد إلى مدى توافق خط الترسيم مع قواعد القانون الدولي للبحار، ومدى إمكان الاحتجاج به في مواجهة الدول الثالثة، وبخاصة مصر واليونان وقبرص. وقد أجاب عن التساؤل الجوهري , هل تمثل المذكرة ممارسة مشروعة لحرية الدول الساحلية في ترسيم حدودها البحرية، أم أن هذه الحرية تقف عند الحدود التي تحمي الاستحقاقات البحرية للدول الأخرى وتضمن احترام قواعد القانون الدولي؟ ونتناول أهم ما جاء فى الدراسة المهمة فى تسعة عناصر جوهرية.
أولًا: من جغرافيا السواحل إلى جغرافيا الحقوق السيادية.
تقول دراسة الدكتور محمد خفاجى " يقوم ترسيم الحدود البحرية على التمييز بين الاستحقاق البحري الذي ينشأ للدولة الساحلية بموجب القانون الدولي، وبين عملية تحديد الحدود التي تفصل بين الاستحقاقات المتداخلة. فالبحر الإقليمي يخضع لسيادة الدولة الساحلية، مع مراعاة القيود الدولية المقررة، بينما تتمتع الدولة في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بحقوق سيادية واختصاصات محددة تتعلق باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها."
وتضيف الدراسة " تزداد المسألة تعقيدًا في البحار شبه المغلقة، مثل البحر المتوسط، حيث تتقابل السواحل وتتداخل الاستحقاقات البحرية المحتملة، وتؤثر الجزر في رسم خطوط الترسيم. ولا يكفي، لذلك، أن تتمسك دولة بطول ساحلها أو بموقعها الجغرافي لتثبت أحقيتها بكامل المساحة التي تطالب بها؛ كما لا يجوز تجاهل استحقاق بحري لدولة أخرى لمجرد أن الاعتداد به قد يؤثر في امتداد المنطقة البحرية التي تطالب بها الدولة الأولى. فالجغرافيا تنشئ عناصر الاستحقاق، لكن القانون الدولي هو الذي يحدد كيفية موازنتها عند الترسيم."
ثانيًا: اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.. الإنصاف قيد على حرية الاتفاق
تذكر دراسة الدكتور محمد خفاجى " تمثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 الإطار الدولي الأساسي لتنظيم المناطق البحرية، وتكتسب المادتان 74 و83 منها أهمية خاصة في ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري بين الدول ذات السواحل المتقابلة أو المتجاورة. وتقرر المادتان أن الترسيم يتم بالاتفاق، استنادًا إلى القانون الدولي، بغرض الوصول إلى حل منصف. ويكشف هذا التنظيم عن توازن بين حرية الدول في التفاوض وبين التزامها بمراعاة القواعد القانونية التي تحكم الترسيم. فالتراضي لا ينفصل عن المشروعية، والاتفاق لا يعفي أطرافه من الالتزامات الدولية الواجبة التطبيق."
ويضيف " غير أن ثمة ملاحظة أساسية هى أن تركيا ليست طرفًا في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982؛ ومن ثم لا يصح افتراض أن جميع أحكامها ملزمة لها تعاقديًا. ويتعين تحديد ما إذا كانت القاعدة محل البحث تعكس قانونًا دوليًا عرفيًا ملزمًا، أو تستند إلى مصدر دولي آخر واجب التطبيق. وهذا التمييز ضروري حتى لا تتحول الدراسة إلى تطبيق آلي لنصوص اتفاقية لا تكون إحدى الدول المعنية طرفًا فيها، دون بحث الأساس القانوني الذي يجعل القاعدة ملزمة لها."
ثالثًا: المذكرة الليبية التركية.. بين الاتفاق الثنائي واختبار المشروعية الدولية
تشير الدراسة " وقّعت تركيا وحكومة الوفاق الوطني الليبية المذكرة في 27 نوفمبر 2019، ودخلت حيز النفاذ وفق سجل المعاهدات الأممي في 8 ديسمبر 2019، وسُجلت لدى الأمم المتحدة في 11 ديسمبر من العام ذاته. وتحدد المادة الأولى منها خطًا بحريًا بين نقطتين جغرافيتين، هما النقطتان A وB، بوصفه حدًا لمناطق الجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة بين الطرفين. وتتمسك تركيا وليبيا بأن المذكرة تستند إلى حرية الدول في ترسيم مناطق اختصاصها البحري بالاتفاق، وإلى مبادئ الإنصاف ومراعاة أطوال السواحل والظروف الجغرافية ذات الصلة."
وتؤكد الدراسة " وفي المقابل، تعترض مصر واليونان وقبرص على المذكرة، استنادًا إلى ما تراه من مساس باستحقاقاتها البحرية، وإلى الاعتراض على كيفية تعامل خط الترسيم مع السواحل والجزر اليونانية. ولا يكفي لحسم النزاع تبني أحد الموقفين دون فحص الحجج القانونية المقابلة. فالمسألة تقتضي بحث الاستحقاقات البحرية لكل طرف، وطبيعة السواحل ذات الصلة، ومدى توافق الخط المتفق عليه مع قواعد الترسيم الواجبة التطبيق. كما أن موافقة مجلس النواب الليبي في أكتوبر 2026 تثير مسألة الإجراءات الداخلية المتعلقة بإقرار المذكرة، لكنها لا تحسم بذاتها مدى توافق خط الترسيم مع القانون الدولي أو مدى إمكان الاحتجاج به على الدول الثالثة."
رابعًا: محكمة العدل الدولية.. منهج الترسيم بين الهندسة والإنصاف
وتقول دراسة الدكتور محمد خفاجى " أسهمت محكمة العدل الدولية في تطوير منهج قانوني لترسيم الحدود البحرية لا يختزل العملية في رسم خط هندسي، ولا يجعل الإنصاف معيارًا مجردًا منفصلًا عن الوقائع الجغرافية. ففي حكمها الصادر في 24 فبراير 1982 في قضية الجرف القاري بين تونس وليبيا، أكدت المحكمة أن المبادئ المنصفة لا تُفهم في الفراغ، وإنما تُطبق في ضوء الظروف ذات الصلة. وقد تناولت في منطوق الحكم المبادئ والقواعد التي ينبغي أن يستند إليها الترسيم، مع مراعاة الظروف الجغرافية ذات الصلة. وتظهر أهمية هذا الحكم في الفقرات المتعلقة بالمبادئ المنصفة والظروف ذات الصلة، وبخاصة الفقرات 70 وما بعدها، حيث ناقشت المحكمة الأساس القانوني للترسيم وأثر الوقائع الجغرافية في تحديد الخط المنصف."
ويشير " وفي حكمها الصادر في 3 يونيو 1985 في قضية الجرف القاري بين ليبيا ومالطا، تناولت المحكمة أثر التكوين الجغرافي للسواحل، واختلاف أطوالها، والمسافة بينها، وضرورة تجنب التفاوت المفرط بين مساحة الجرف القاري المخصصة للدولة وطول ساحلها ذي الصلة. ويمكن الرجوع بوجه خاص إلى الفقرات 48–55 من الحكم في سياق بحث الظروف ذات الصلة ومبادئ الإنصاف."
ويضيف " أما حكمها الصادر في 3 فبراير 2009 في قضية ترسيم الحدود البحرية في البحر الأسود بين رومانيا وأوكرانيا، فقد عرضت المحكمة في الفقرات 115–122 منه منهج الترسيم الذي يقوم على ثلاث مراحل هى: رسم خط مؤقت لتساوي البعد استنادًا إلى نقاط أساس مناسبة. وبحث الظروف ذات الصلة التي قد تبرر تعديل الخط المؤقت. والتحقق من عدم وجود تفاوت صارخ بين أطوال السواحل ذات الصلة والمساحات البحرية التي يخصصها الترسيم لكل دولة."
ويؤكد " أن هذا الحكم يكتسب أهمية خاصة عند بحث أثر الجزر؛ فقد تناولت المحكمة جزيرة الأفاعي في الفقرات 179–188، وانتهت إلى عدم منحها أثرًا في الترسيم يتجاوز الأثر المترتب على قوس البحر الإقليمي المحيط بها، في ظروف تلك القضية. ولا يجوز تحويل هذه النتيجة إلى قاعدة عامة تقضي بحرمان الجزر من أثرها البحري؛ وإنما تكشف عن أن أثر الجزيرة عند الترسيم قد يختلف بحسب موقعها وطبيعتها الجغرافية وعلاقتها بالسواحل المعنية."
خامسًا: كريت والجزر اليونانية.. استحقاق بحري لا يعني بالضرورة أثرًا كاملًا في الترسيم
تمضى الدراسة " تحتل جزيرة كريت موقعًا محوريًا في الجدل المتعلق بالمذكرة الليبية التركية؛ فهي جزيرة يونانية كبيرة تقع جنوب البر اليوناني، وتفصل جغرافيًا بين أجزاء من الساحل الليبي والساحل التركي، وتدخل في تقييم الاستحقاقات البحرية في المنطقة. وتتمسك اليونان بأن الجزر اليونانية، بما فيها كريت، تتمتع باستحقاقات بحرية وفق القانون الدولي، وأن المذكرة الليبية التركية تجاهلت أثرها في تحديد خط الترسيم. وتستند هذه الحجة، من بين ما تستند إليه، إلى المادة 121 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تقرر في فقرتها الثانية أن الجزر، كأصل عام، تتمتع بالمناطق البحرية ذاتها التي تتمتع بها الأراضي البرية الأخرى، مع مراعاة الاستثناء الوارد في الفقرة الثالثة بشأن الصخور التي لا تستطيع إعالة سكن بشري أو حياة اقتصادية خاصة بها."
وتوضح الدراسة " لكن ينبغي التمييز بين استحقاق الجزيرة في إنشاء مناطق بحرية وبين الأثر الذي تمنحه لها المحكمة عند ترسيم الحدود بين الدول. فوجود استحقاق بحري لا يقتضي بالضرورة أن يكون للجزيرة أثر كامل في تحديد خط الترسيم؛ إذ قد تؤدي الظروف الجغرافية ذات الصلة إلى تعديل الخط بما يحقق حلًا منصفًا. وهنا تبرز أهمية حكم ليبيا ومالطا لعام 1985، وحكم رومانيا وأوكرانيا لعام 2009، اللذين يبينان أن الاعتداد بالجزيرة عند الترسيم يتوقف على ظروف القضية، ولا يُحسم بمجرد وصفها بأنها جزيرة أو بتحديد مساحتها وحدها. ومن ثم، فإن التحليل القانوني السليم يقتضي دراسة موقع كريت، واتجاه الساحل الليبي، والساحل التركي، والجزر اليونانية الأخرى ذات الصلة، ثم بحث ما إذا كان خط الترسيم المتفق عليه يراعي هذه العناصر على نحو يتفق مع القواعد الدولية الواجبة التطبيق."
سادسًا: الحجة التركية المقابلة.. هل يجوز للجزر أن تقطع الامتداد البحري للساحل القاري؟
وتذكر الدراسة الحجة التركية " تتمثل الحجة التركية الأساسية في أن الجزر اليونانية الواقعة قبالة الساحل التركي لا ينبغي أن تؤدي إلى قطع الامتداد البحري للساحل التركي أو حرمانه من استحقاقاته البحرية، وأن طول الساحل التركي واتجاهه ينبغي أن يؤخذا في الاعتبار عند ترسيم الحدود. وقد عبّرت وزارة الخارجية التركية عن هذا الموقف في بيانها الصادر في 1 ديسمبر 2019، حين تمسكت بأن الاتفاق مع ليبيا يتفق مع القانون الدولي ومبادئ الإنصاف، واعترضت على منح الجزر الواقعة قبالة الساحل التركي أثرًا يؤدي، في رأيها، إلى تقييد الإسقاط البحري للساحل القاري التركي. كما تستند الحجة التركية إلى أن تساوي البعد ليس طريقة إلزامية في جميع حالات الترسيم، وأن طول السواحل واتجاهاتها والظروف الجغرافية ذات الصلة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار."
وترد الدراسة عليها " وهذه الحجج تستحق العرض والتحليل، لا مجرد استبعادها؛ فالقضاء الدولي لا يمنح الجزر أثرًا كاملًا بصورة آلية في كل عملية ترسيم، كما أن الإنصاف قد يقتضي تعديل خط تساوي البعد إذا أفضى تطبيقه إلى نتيجة غير منصفة. غير أن الاعتداد بهذه الحجج لا يحسم النزاع لمصلحة المذكرة. فالسؤال هو ما إذا كان الأثر الذي تطلب تركيا تقليصه في الجزر اليونانية يؤدي فعلًا إلى نتيجة غير منصفة، وما إذا كان خط الترسيم الذي اتفقت عليه مع ليبيا يحقق التوازن المطلوب بين الاستحقاقات البحرية ذات الصلة. كذلك، لا يكفي القول إن جزيرة تقع في الجانب الآخر من خط تساوي البعد كي تُحرم من جميع حقوقها البحرية؛ إذ يتعين التمييز بين استحقاق الجزيرة البحري وبين أثرها في ترسيم حدود الدول."
وتدحض الدراسة تلك الحجة " ومن ثم، فإن الحكم على الحجة التركية يقتضي اختبارها على ضوء الوقائع الجغرافية والإحداثيات الفعلية للمذكرة، ومقارنتها بالمنهج الذي استقر عليه القضاء الدولي، دون افتراض أن طول الساحل وحده يحسم المسألة أو أن وجود الجزيرة وحده يحسمها في الاتجاه المقابل."
سابعًا: حقوق الدول الثالثة.. المعاهدة لا تنشئ حقوقًا على حساب الغير
تعرض الدراسة " المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 تقرر القاعدة العامة التي تقضي بأن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقًا لدولة ثالثة دون رضاها. ويعني ذلك أن الاتفاق الثنائي ينظم، من حيث الأصل، العلاقة بين طرفيه، ولا يجوز افتراض أنه يحسم بذاته الحقوق البحرية التي قد تكون لدولة لم تكن طرفًا فيه. لكن تطبيق هذه القاعدة يقتضي التمييز بين مجرد تأثر المصالح السياسية أو الاقتصادية لدولة أخرى وبين المساس باستحقاق بحري تحميه قواعد القانون الدولي."
وتؤكد " فليس كل اتفاق يؤثر في مصالح دولة ثالثة باطلًا بالضرورة؛ وإنما ينبغي بحث ما إذا كان خط الترسيم المتفق عليه يتداخل مع استحقاقات بحرية لهذه الدولة، وما إذا كان من الممكن الاحتجاج به عليها وفق القواعد الدولية ذات الصلة. ومن هنا، فإن تسجيل المذكرة لدى الأمم المتحدة لا يمثل تصديقًا أمميًا على مشروعيتها، ولا يحول دون بحث مدى توافقها مع القانون الدولي. فالتسجيل إجراء دولي، وليس حكمًا قضائيًا بصحة الاتفاق أو بصحة الحدود التي يتضمنها."
ثامنًا: من نزاع الخرائط إلى اختبار الاستقرار القانوني لشرق المتوسط
تذكر الدراسة " تكشف المذكرة الليبية التركية عن أن النزاع البحري لا يمكن فصله عن التنافس على موارد الطاقة والمصالح الاقتصادية في شرق المتوسط، غير أن هذه المصالح لا تنشئ بذاتها استحقاقات بحرية خارج القواعد الدولية. ويقتضي المسار القانوني السليم بناء ملف فني وقانوني متكامل يشمل الإحداثيات والخرائط، والنصوص الاتفاقية، والمواقف الرسمية للدول، وأحكام القضاء الدولي ذات الصلة. كما تظل المفاوضات، والوساطة، والتحكيم، واللجوء إلى القضاء الدولي متى توافر أساس الاختصاص، وسائل يمكن أن تسهم في تسوية النزاع."
وتشير " وتبرز أهمية الترتيبات المؤقتة التي تتناولها المادتان 74 و83 من اتفاقية قانون البحار؛ إذ تحثان الدول على بذل الجهود للتوصل إلى ترتيبات عملية مؤقتة، مع عدم تعريض الاتفاق النهائي للخطر أو إعاقته. إن الاستقرار القانوني في شرق المتوسط لا يتحقق بفرض الخرائط أو بتبادل الاعتراضات السياسية، وإنما باحترام الحقوق البحرية التي يقررها القانون الدولي، والتفاوض الجاد بشأن المناطق المتداخلة، وعدم اتخاذ إجراءات تعرقل التسوية النهائية."
تاسعًا: مصر في قلب معادلة الترسيم — حماية الحقوق البحرية لا مواجهة الخرائط
وتضيف الدراسة نقطة مهمة عن مصر " لا يستقيم تقييم مذكرة التفاهم المبرمة بين ليبيا وتركيا بمعزل عن المركز القانوني لجمهورية مصر العربية، فمصر ليست طرفًا عابرًا في معادلة شرق البحر المتوسط، وإنما دولة ساحلية ذات حقوق ومصالح بحرية يتعين صونها وفقًا لقواعد القانون الدولي للبحار. ومن ثم فإن مشروعية أي ترسيم ثنائي لا تُقاس بمجرد توافق إرادتي الدولتين اللتين أبرمتاه، وإنما كذلك بمدى احترامه للحقوق التي قد تثبت للدول الأخرى بمقتضى القانون الدولي."
وتشير " تتحدد المسألة القانونية المصرية في التمييز بين أمرين , أولهما أن تتفق ليبيا وتركيا على تنظيم علاقاتهما البحرية فيما بينهما؛ وثانيهما، أن يُستند إلى هذا الاتفاق لترتيب أثر قانوني في مواجهة مصر أو الانتقاص من استحقاقاتها البحرية دون موافقتها. فالأمر الأول يدخل، من حيث المبدأ، في نطاق حرية الدول في إبرام المعاهدات، أما الثاني فلا يكتسب المشروعية لمجرد وروده في اتفاق ثنائي؛ إذ تقرر المادة 34 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات أن المعاهدة لا تنشئ التزامات أو حقوقًا لدولة ثالثة دون رضاها، مع ضرورة التمييز بين مجرد تأثر مصالح الدولة وبين المساس باستحقاق بحري ثابت لها."
وتمضى "ولا يكفي، في المقابل، القول إن الاتفاقية تضر بمصر سياسيًا أو اقتصاديًا لإثبات بطلانها قانونًا؛ بل يتعين إجراء فحص جغرافي وقانوني دقيق للإحداثيات الواردة بها، ومقارنتها بالسواحل ذات الصلة وبالاستحقاقات البحرية التي يمكن أن تتمسك بها مصر، وبيان ما إذا كان الخط المتفق عليه يقتصر على تنظيم العلاقة بين طرفيه أم يتداخل مع منطقة بحرية يمكن أن تكون محل استحقاق مصري. فالمعيار الحاسم هو الدليل الفني مقرونًا بالقاعدة القانونية، لا مجرد الاعتراض السياسي أو التقدير المجرد للمصالح."
وتذكر "وتزداد أهمية هذا الفحص في ضوء منهج محكمة العدل الدولية في قضايا ترسيم الحدود البحرية، الذي يقتضي النظر إلى السواحل ذات الصلة، والظروف الجغرافية الخاصة، وإمكان تعديل خط التساوي الأولي للوصول إلى نتيجة منصفة، ثم التحقق من عدم وجود تفاوت فادح بين نسب أطوال السواحل ذات الصلة والمساحات البحرية المنسوبة إليها. ويظل تطبيق هذا المنهج على الحالة المصرية مرهونًا بتحديد النطاق الجغرافي الدقيق للنزاع والحقوق المتقابلة، لا بمجرد إسقاط نتائج قضايا أخرى على شرق المتوسط."
وتؤكد" ومن هنا، فإن الموقف المصري القانوني ينبغي أن يقوم على ثلاثة محاور متكاملة , أولها، تثبيت الحقوق والاستحقاقات البحرية المصرية بالأسانيد الجغرافية والقانونية؛ وثانيها، رفض الاحتجاج بأي اتفاق ثنائي في مواجهة مصر إذا كان من شأنه المساس بحقوقها دون سند قانوني وموافقة لازمة؛ وثالثها، دعم التسوية القائمة على قواعد القانون الدولي، مع عدم التفريط في أي حق مصري يثبته الفحص الفني والقانوني. فالمصلحة المصرية لا تُصان بالشعارات، وإنما بملف قانوني وفني متكامل، يجمع بين الإحداثيات والخرائط وقواعد الترسيم والاجتهاد القضائي الدولي."
وتختتم دراسة الفقيه الدكتور محمد خفاجى "إن البحر المتوسط لا يُعاد تقسيمه بمجرد توقيع مذكرتين، ولا تتحول الخرائط المتفق عليها بين دولتين إلى حجة ملزمة لدولة ثالثة لمجرد تسجيل الاتفاق لدى الأمم المتحدة. فالتسجيل إجراء دولي لا يُعد حكمًا بصحة الاتفاق أو إقرارًا بمشروعيته، ولا يغني عن اختبار مدى احترامه لحقوق الغير. وتلك هي النقطة التي يتعين أن تنطلق منها القراءة المصرية: حماية الحق البحري الثابت، لا الاكتفاء بمنازعة الخريطة؛ والاحتكام إلى القانون والأدلة، لا ترك المجال لفرض أمر واقع سياسي أو جغرافي."




