رئيس التحرير
عصام كامل

طريق للخروج الآمن

18 حجم الخط

عندما بدأ الحوار الوطني المصري الذي دعا إليه الرئيس كان شعاره “الطريق إلي الجمهورية الجديدة - مساحات مشتركة” وكان من المفهوم وقتها أن ما اعتمدت عليه الجمهوريات القديمة من سياسات منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتي ديسمبر 2023 سوف يتم نسفها بالكامل، وستكون توصيات الحوار الوطني هي دستور عمل الجمهورية الجديدة. 

إلا إن الرياح جاءت بما لا تشتهي سفينة المتفائلين، ظلت سياسات الجمهوريات القديمة علي ما هي عليه في غالب الأمر؛ مع مزيد من التشدد في أمور لا يجب التشدد فيها، ومزيد من التساهل فيما يجب التشدد فيه، الأمر المؤكد أن الانتقال من ممارسات الجمهوريات القديمة إلي جمهورية جديدة تخلق مساحات مشتركة وهو أمر ليس سهلا ولكنه أمر يستحق المحاولة.. 

 

وصحيح أن الاختلاف ضرورة لكن الاختلاف يأتى بعد الاتفاق على قواعد البيت لا قبل بنائه، لذلك فإن السؤال لدى معظم النخب: هل مؤتمر أكتوبر المقبل هو كشف حساب أم استعراض؟ 

هذه الدعوة تشير إلى وجود يقين لدى الرئيس بأن هناك مشاكل جمّة، يلازمها عجز حكومي وعقم واضح عن إيجاد حلول لها، لذلك في بادرة تؤكد أن الرجل يعترف بوجود المشاكل ووجود نية حقيقية ل(ترميم) ما يمكن! وأن الدعوة لهذا الحوار هي إحدى الخيارات المتاحة (قليلة التكلفة.. محدودة العواقب) لإيجاد مخرج سياسي وشعبي لكل الأطراف..  

 

فلو قيل بصراحة: هذا ما أنجزناه.. وهذه تكلفته.. وهذه أخطاؤنا.. وهذه خطتنا لمعالجتها.. فسيكون له وقع مختلف ومصداقية حقيقية، ثم إن جدوى مؤتمر أكتوبر لن تُقاس بعدد الأرقام والمشروعات، بل بجرأة الإجابة عن سؤال واحد: ماذا تغيّر فعلًا في حياة المواطن؟ فالمواطن لن تُقنعه لغة الأرقام، سيقيس كل شيء بمسطرة جيبه: هل دخله يكفي؟ هل الأسعار تُحتمل؟ هل هناك فرصة عمل حقيقية؟ 

 

فإن تحول المؤتمر إلى احتفالية طويلة سيصطدم بجدار صمت شعبي غاضب ويتحول السؤال إلى: لماذا كل هذا الاستعراض بينما نحن نُعاني؟ فالمواطن لا يريد أن يُقال له “ماذا فعلنا؟” بل يريد أن يعرف ماذا تغيّر في حياتي بسبب ما فعلتموه؟ وكل المطلوب إلا يتحول اللقاء إلى (عرض إنجازات)، وإنما إلى نقاش عن حلول التحديات والمشكلات، ومكاشفة واجبة لا تعالي فيها من أحد على أحد، بشرط  أن يكون (صوت الناس) حاضرًا وبقوة.. 

 

فإذا كان الهدف من اللقاء هو الناس، فهل سنسمع  الناس؟ وماذا فعلت إذا كنت سمعتهم؟ وهل ستغير شيئًا؟ أم أن الجميع يجب أن يسمع الكلام ويمشي على الخطة الموضوعة؟ وربما كان موضوع التغيير مطروحا بقوة تلك الايام وهو قول حق ومشروع.. 

 

لذا يصبح السؤال المزمن ولكنه مهما في تلك المرحلة وهو: كيف نختار من يديرون دولة بحجم مصر؟ هل نختارهم لأنهم الأكثر كفاءة وقدرة على حل المشكلات؟ أم لأنهم أهل ثقة؟ 

السؤال لم يعد ترفًا سياسيًا أو إداريًا. إنه سؤال يتعلق بمستقبل دولة وبحياة أكثر من مائة مليون مواطن. فحين تكون الدولة غارقة في الديون، ويعاني المواطن من ارتفاع الأسعار، وتتراجع القدرة الشرائية، وتتآكل الطبقة الوسطى، وتواجه الصناعة أزمات متلاحقة، فإن اختيار المسؤول لم يعد شأنًا إداريًا داخليًا.. 

خاصة بعد أن أصبح الاقتصاد المصري مثل سفينة ضخمة تبحر في مياه ضحلة، غير قادرة على الحركة إلا إذا تخلصت من بعض حمولتها أو استدعت قاطرة لسحبها إلى مياه عميقة، والتخلص من بعض الحمولة يقتضي وقف عدد من المشروعات المستهلكة السيولة. أما استدعاء قاطرة فإنه محفوف بمخاطر شروط اصحاب القاطرات.. 

كثير من مشكلات هذا البلد تكمن في انفصال صناعة القرار عن صناعة النتائج، نضع القانون، ثم اللائحة، ثم الاستراتيجية، ثم نعقد المؤتمر، ثم نعلن المستهدفات.. وبعد ذلك؟ من يتابع التنفيذ؟؛ من يقيس النتائج؟ من يسأل لماذا لم يتحقق المستهدف؟ ومن يملك شجاعة تعديل السياسة عندما تثبت التجربة فشلها؟ هنا تكمن المشكلة؟ ليست المشكلة في القانون وحده.. وإنما في المنظومة التي تحيط به.

الجريدة الرسمية