أوزبكستان.. دولة تحفظ تاريخها وتزرع مستقبلها
في كل رحلة هناك ما نعود به من صور وذكريات، وهناك ما نعود به من أفكار. ورحلتي الأخيرة إلى أوزبكستان كانت من النوع الثاني. عدت منها بإعجاب ببلد استطاع أن يجمع بين عراقة التاريخ وروح المستقبل، ويحافظ على عاداته وتقاليده وكرم ضيافته، بينما يمضي بخطوات واضحة نحو بناء اقتصاد ناشئ ومدن أكثر تنظيمًا.
أوزبكستان الحالية تقع في قلب منطقة «ما وراء النهر» التاريخية، التي كانت لقرون مركزًا للعلم والتجارة والثقافة على طريق الحرير، ومنها ارتبط بالعالم علماء كبار مثل الإمام البخاري وابن سينا والخوارزمي والبيروني وأحمد الفرغاني، كما أصبحت سمرقند في عهد أولوغ بيك مركزًا بارزًا للفلك والرياضيات.
واليوم تحاول أوزبكستان أن تجعل من هذا الإرث قوة للحاضر والمستقبل، وهو ما بدا واضحًا في «مركز الحضارة الإسلامية» بطشقند، الذي يضم مخطوطات ومقتنيات ووثائق نادرة، وكان للسيد علشير عثمانوف دور مهم في دعم وبناء المشروع، وإثرائه بمجموعة كبيرة من الكتب والمقتنيات التراثية.
لكن أكثر ما لفت نظري خلال تجولي في طشقند كان شيئًا بسيطًا: الأشجار. رأيت اهتمامًا واضحًا بزراعة الأشجار والأزهار، والأهم طريقة زراعة الأشجار الجديدة؛ مسافات منتظمة، وأطوال متقاربة، ودعامات تحافظ على استقامتها حتى تنمو، بما يعكس رؤية لا تتوقف عند لحظة الزراعة، وإنما تفكر في شكل المدينة بعد سنوات.
سألت أحد أصدقائي هناك عن قلة الإعلانات في بعض الشوارع الرئيسية، فضحك وقال لي عبارة لم أنسها: «الإعلانات تجلب المال، لكن الأشجار تحمي الإنسان من حرارة الطقس». ثم شرح أن الأرصفة صممت للإنسان؛ للطفل والرجل والمرأة وكبير السن، وأن الشارع يجب أن يكون مكانًا للمشي والراحة والاستمتاع، لا مجرد مساحة للسيارات والإعلانات.
وهنا تذكرت القاهرة، خصوصًا محور 26 يوليو من ميدان لبنان إلى ميدان جهينة. لا يمكن بالطبع مقارنة مدينتين تختلفان في الحجم والظروف، لكن المشهد يدفعنا إلى التفكير في أولويات المجال العام. ففي كل أجزاء الطريق تبدو الإعلانات بأحجامها وإضاءاتها وكثافتها أكثر حضورًا من الأشجار والمساحات المريحة للمشاة، وأحيانًا تتداخل اللوحات فيما بينها حتى يتحول المشهد إلى نوع من التلوث البصري، بينما يبقى الرصيف الذي يفترض أن يكون حقًا للمواطن عرضة في بعض المناطق للعوائق من الإعلانات.
الإعلان نشاط اقتصادي مهم ويحقق عائدًا، لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: هل نصمم المدينة لخدمة الإعلان، أم ننظم الإعلان داخل مدينة صممت أولًا لخدمة الإنسان؟
هذه هي الفكرة التي عدت بها من أوزبكستان. فالشجرة ليست مجرد عنصر تجميلي، وإنما استثمار طويل الأجل في الإنسان والبيئة وجودة الحياة، والمتحف ليس مجرد مكان لحفظ الماضي، وإنما استثمار في وعي المستقبل. ربما لا نحتاج إلى تقليد أوزبكستان، لكن يمكننا أن نتعلم منها أن نجاح التشجير لا يقاس بعدد الشتلات التي زرعت، وإنما بعدد الأشجار التي بقيت ونمت، وأن نجاح المدينة لا يقاس فقط باتساع طرقها ومبانيها، وإنما بقدرتها على توفير بيئة حضارية يستطيع الإنسان أن يمشي فيها ويعيش ويستمتع بها.
من يزرع شجرة اليوم لا يزرعها لنفسه، ومن يحفظ مخطوطة اليوم لا يحفظ الماضي فقط؛ كلاهما يفكر في الأجيال القادمة. وربما هنا يكمن الفرق بين من يرى الشجرة جزءًا من بناء المدينة، ومن لا يضعها في حساباته من الأساس !
