رئيس التحرير
عصام كامل

رواتب أساتذة الجامعات

18 حجم الخط

التعليم الجامعي لا يقوم على المباني والمدرجات والمعامل وحدها، وإنما يقوم في الأساس على عضو هيئة التدريس الذي ينقل المعرفة إلى الطلاب، ويشرف على الباحثين، ويسهم في إعداد الكفاءات التي تحتاج إليها الدولة في مختلف المجالات، ولذلك، فإن الحديث عن تطوير الجامعات لا ينبغي أن ينفصل عن الحديث عن الأوضاع المالية لمن يعملون داخلها.

 

الأرقام المتداولة بشأن مرتبات أعضاء هيئة التدريس تفتح بابًا مهمًا للنقاش، إذ تشير إلى حصول المعيدين بالجامعات الحكومية عن رواتب تقل عن 8 آلاف جنيه، بينما يحصل المدرسون على رواتب بين 10 إلي 12 الف، ورواتب الأساتذة المساعدين من 12 إلى حوالي 14 ألف جنيه، في حين تقل رواتب الأستاذ الجامعي عن 17 ألف جنيه.. 

وهي أرقام تحتاج إلى توضيح رسمي بشأن تفاصيلها وما إذا كانت تمثل صافي الدخل أم إجمالي المستحقات، لكن، بعيدًا عن اختلاف الأرقام، فإن السؤال الأساسي يظل قائمًا: هل يتناسب المقابل المادي مع طبيعة العمل الأكاديمي والمسؤوليات المرتبطة به؟

المشكلة ليست في مقارنة الرواتب فقط

عندما نقارن هذه الأرقام بما يحصل عليه بعض لاعبي كرة القدم أو الفنانين من ملايين الجنيهات، فإن الهدف ليس الاعتراض على دخولهم أو التقليل من قيمة ما يقدمونه، فلكل مجال طبيعته وآلياته الاقتصادية، لكن المقارنة تطرح تساؤلًا حول مدى قدرة منظومة الأجور على توفير دخل مناسب للفئات التي تتحمل مسؤولية التعليم والبحث العلمي.

 

المشكلة هنا ليست في ارتفاع دخول فئة من المجتمع، وإنما في ضرورة مراجعة أوضاع فئات أخرى يؤدي عملها دورًا أساسيًا في بناء الإنسان وتأهيله لسوق العمل.

فالأستاذ الجامعي لا تنتهي مهمته بانتهاء المحاضرة، وإنما تمتد إلى إعداد الأبحاث والإشراف على الرسائل العلمية وتطوير المناهج ومتابعة المستجدات في تخصصه، كما أن الوصول إلى هذه الدرجة يتطلب سنوات طويلة من الدراسة والتأهيل والخبرة، ولذلك، فإن تحسين أوضاعه المالية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مطلبًا فئويًا، وإنما جزءًا من أي خطة جادة لتطوير التعليم العالي.

المعيدون أولى بالنظر في أوضاعهم

الأمر يحتاج إلى اهتمام أكبر عندما يتعلق بالمعيدين والمدرسين المساعدين، لأن هذه الفئة تمثل الأساس الذي تعتمد عليه الجامعات في إعداد كوادرها المستقبلية، فالمعيد الذي يبدأ حياته الأكاديمية يحتاج إلى استكمال دراسته، وإعداد أبحاثه، وتحمل تكاليف المعيشة، في الوقت الذي قد تتوافر فيه أمامه فرص عمل أخرى بدخل أفضل.

وإذا كانت الجامعة تريد الاحتفاظ بالمتفوقين، فإنها تحتاج إلى توفير مسار أكاديمي جاذب، لا يعتمد فقط على المكانة العلمية أو الرغبة في التدريس، وإنما يضمن أيضًا قدرًا مناسبًا من الاستقرار المادي، ولا يمكن مطالبة الشباب بالاستمرار في البحث العلمي باعتباره رسالة فقط، دون النظر إلى الظروف التي تساعدهم على أداء هذه الرسالة.

المطلوب مراجعة شاملة لمنظومة الأجور

القضية لا تتعلق بزيادة واحدة تضاف إلى المرتب، ثم تتراجع قيمتها مع تغير الظروف الاقتصادية، وإنما تحتاج إلى مراجعة شاملة للأجور والبدلات والحوافز، بما يحقق قدرًا أكبر من العدالة بين الدرجات الأكاديمية المختلفة.

وهنا يمكن طرح عدة خطوات عملية، في مقدمتها إعلان صورة واضحة للأجور الفعلية التي يحصل عليها أعضاء هيئة التدريس، وتحديد الفجوة بين الأجر الأساسي وإجمالي المستحقات، ثم دراسة آليات لتحسين الدخول بصورة تدريجية ومستدامة.

كما يمكن تطوير نظام الحوافز المرتبط بجودة التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع، مع ضمان ألا يصبح الدخل الأساسي غير كافٍ للمعيشة، وألا تتحول متطلبات التميز الأكاديمي إلى أعباء مالية إضافية على الباحثين.

ومن المهم أيضًا أن تراعي أي مراجعة أوضاع المعيدين والمدرسين المساعدين، باعتبارهم الفئة التي تحتاج إلى حوافز تساعدها على استكمال مسارها العلمي والمهني.

تطوير الجامعة يبدأ من الإنسان

لا يمكن أن نطالب الجامعات بتحسين تصنيفاتها الدولية وزيادة إنتاجها البحثي وتعزيز ارتباطها باحتياجات الاقتصاد، دون توفير الإمكانات اللازمة لتحقيق هذه الأهداف، كما لا يمكن أن نتحدث عن المنافسة العالمية في التعليم العالي بينما تواجه الجامعات تحديًا في الاحتفاظ ببعض الكفاءات التي يمكن أن تجد فرصًا أفضل خارج المسار الأكاديمي.

والهدف هنا ليس وضع الأستاذ الجامعي في مواجهة بقية فئات المجتمع، وإنما التأكيد على أن لكل وظيفة دورها، وأن تطوير التعليم يحتاج إلى تقدير حقيقي لمن يتحملون مسؤوليته.

في رأيي، فإن مراجعة مرتبات أعضاء هيئة التدريس أصبحت قضية تستحق نقاشًا جادًا قائمًا على بيانات واضحة، وليس مجرد تداول أرقام أو مقارنات على مواقع التواصل الاجتماعي، ىفإذا كانت الدولة تراهن على التعليم والبحث العلمي باعتبارهما من أدوات التنمية، فإن تحسين أوضاع القائمين عليهما يجب أن يكون جزءًا من هذه الرؤية.

الجامعة لا تتطور بالقرارات وحدها، وإنما بقدرتها على جذب الكفاءات والحفاظ عليها، ومنحها الظروف التي تساعدها على أداء دورها، والأستاذ الذي نطالبه بصناعة أجيال قادرة على المنافسة، من حقه أن يجد منظومة أجور تقدر سنوات علمه وخبرته ومسؤوليته.

الجريدة الرسمية