قصة إحياء "العبرية"، هكذا استيقظت لغة ميتة منذ 2000 عام لتصبح عصب المشروع الصهيوني
في خريف عام 1881، وبالتحديد في إحدى مقاطعات القدس القديمة، اتخذ الشاب اللاتفي -الروسي إلعازر بن يهودا خطوة غير مسبوقة في تاريخ اللسانيات البشرية؛ حيث اتفق مع زملائه على قاعدة صارمة لا تقبل التراجع، باستخدام اللغة العبرية حصريًا في جميع محادثاتهم اليومية داخل البيت والشارع.
وكانت المبادرة إعلانًا عن ولادة لغة ماتت شفهيًا قبل نحو ألفي عام، لتتحول خلال عقود قليلة من نصوص مقدسة محبوسة في كتب الصلاة إلى لغة أم حية، وتصبح لاحقًا الركيزة الأساسية والعمود الفقري لقيام دولة إسرائيل ولسانها الرسمي وعصب المشروع الصهيوني.
تاريخ اللغة العبرية.. كيف استمرت معروفة ولمن تعود جذورها؟
لفهم معجزة البعث، يجب العودة إلى جذور العبرية التي تنتمي إلى عائلة اللغات السامية الفرع الكنعاني، حيث ظهرت العبرية القديمة في بلاد الشام، واستُخدمت لغةً للحياة اليومية والدين حتى القرن الثاني الميلادي تقريبًا.
وعقب تدمير الهيكل الثاني ونفي اليهود في الشتات على يد الإمبراطورية الرومانية، توقف اليهود تدريجيًا عن التحدث بالعبرية في حياتهم العادية، واستبدلوها بلغات المجتمعات التي عاشوا فيها مثل الآرامية، العربية، اللادينو، واليديشية، ومع ذلك على عكس عدد من لغات المنطقة لم تنقرض العبرية كليًا أو يكتشفها منقبون كما حدث مع الهيروغليفية؛ بل بقيت حية في الكتب المقدسة، التلمود، الصلوات الطقسية، والمراسلات الدينية بين الحاخامات عبر القارات. كانت لغة مكتوبة، مقدسة، ومحفوظة في ذاكرة النخبة وليست لغة شارع أو سوق.
كيف حوّل بن يهودا لغة الصلاة إلى هوية المشروع الإسرائيلي ؟
عندما هاجر إلعازر بن يهودا إلى فلسطين عام 1881، كان مشروعه الفكري مبنيًا على القومية الأوروبية الحديثة، ولايمكن بناء هوية قومية دون لغة، وطبق بن يهودا الفكرة بوحشية على عائلته؛ فمنع زوجته من التحدث بأي لغة سوى العبرية، وأصبح ابنه إيتامار بن أفي أول طفل ناطق بالعبرية الحديثة منذ قرون، وسط سخرية المحيطين واعتراض الحاخامات المتشددين الذين رأوا في استخدام لغة مقدسة في التفاصيل اليومية "تدنيسًا" لها.
وأسس بن يهودا لجان الكلمات ومجلس اللغة العبرية، وبدأ في نحت مصطلحات حديثة لم تكن موجودة في التوراة مثل كلمات للقطار، الكهرباء، الصحيفة، والجامعة، وأصدر الصحف العبرية لنشر المفردات، حتى أصبحت لغة التدريس في المدارس اليهودية بفلسطين بحلول مطلع القرن العشرين.
وتجمع الدراسات التاريخية والسياسية على أن إحياء اللغة العبرية لم يكن مجرد عامل ثقافي، بل كان المحرك الإيديولوجي الأساسي لقيام إسرائيل بعد أن خلقت هوية هوية جامعة، خاصة أن المهاجرون اليهود كانوا يتوافدون على فلسطين من شتى بقاع الأرض أوروبا الشرقية، روسيا، الدول العربية، اليمن، أمريكا، ويتحدثون لغات مختلفة تمامًا، لتصبح العبرية الأساس الذي ذاب فيه الجميع ليخلق "الأمة المصطنعة" الجديدة.
كما منح إحياء اللغة للمستوطنين شعورًا زائفًا أو حقيقيًا بالعودة إلى الأرض الأم والماضي التوراتي، مما وفر الشرعية التاريخية والخطاب السياسي الحماسي للمشروع الصيوني.
