أشرف سيد يكتب: قبل أن نرسم خريطة التطوير.. من يرسم مستقبل أهالي طرة؟.. مشاعر الناس وصلت إلى البكاء والشعور بالاختناق النفسي والتشرد والخشية من فقدان الانتماء والهوية
ليست كل الخرائط خطوطا ترسم على الورق، فهناك خريطة أخرى ترسم داخل قلوب آلاف المواطنين، عنوانها الخوف على البيت والقلق من المجهول والسؤال عن الغد.
حكاية أهالي طرة البلد
هذه هي حكاية أهالي طرة البلد الذين ينتظرون إجابة واضحة عن مستقبلهم ، في وقت تتواصل فيه أعمال حصر المنازل، دون أن تتوافر وفقا لما أمكن الوقوف عليه حتى الآن معلومات رسمية معلنة، تحسم طبيعة المشروع ومصير العقارات والسكان.
والسؤال الذي يفرض نفسه.. كيف يمكن أن يعيش المواطن حالة من القلق بشأن بيته ومستقبل أسرته دون أن يعرف على وجه الدقة لماذا يجري الحصر وما الهدف منه وهل يرتبط بمشروع تطوير محدد وما حدود هذا المشروع إن كان قد تم تحديدها؟
حتى الآن لا توجد لدى كاتب هذه السطور خريطة رسمية حديثة تحدد نطاق التطوير في طرة البلد ولا بيان معلن يوضح مصير منازلها ولا مستند متاح يحدد بداية المشروع ونهايته ويربط أعمال الحصر به على نحو قاطع.
أسباب الحصر وأهدافه ونتائجه المنتظرة
كما لم يعلن للأهالي بحسب المعلومات المتاحة، قرار مكتوب بالإزالة أو الإخلاء.. وهذه نقطة جوهرية يجب توضيحها.. نحن لا نجزم بصدور قرار إزالة لكننا نتساءل عن أسباب الحصر وأهدافه ونتائجه المنتظرة
لقد طلبت لجان الحصر مستندات من الأهالي بينما لم يحصل المواطنون وفقا لما رصدناه على إجابات واضحة تشرح لهم طبيعة الإجراءات ومآلاتها.
وما زالت أعمال الحصر مستمرة دون إعلان اكتمالها أو توضيح ما ستترتب عليه.
وبينما يراقب السكان تحركات اللجان تتسع مساحة الأسئلة وتزداد الحاجة إلى معلومة رسمية تنهي حالة الالتباس
ولا يتعلق الأمر بمجرد بيوت وحوائط وأرقام تسجل في دفاتر بل بأسر لها جذور في المكان وذكريات صنعتها سنوات طويلة وعلاقات اجتماعية تشكلت عبر الأجيال.
كبار سن لا يتصورون أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم بعيدا عن بيوتهم
فهناك كبار سن لا يتصورون أن يقضوا ما تبقى من أعمارهم بعيدا عن بيوتهم، وأسر تخشى أن تفقد استقرارها وأبناء ارتبطت طفولتهم وشبابهم بشوارع طرة وناسها.
وقد وصلت مشاعر الخوف والإحباط لدى بعض الأهالي إلى البكاء والشعور بالاختناق النفسي والخشية من فقدان الانتماء والهوية بل والتشرد إذا انتهى الأمر إلى مغادرة المكان دون بديل مناسب
هذه المشاعر ليست دليلًا على صدور قرار بالإزالة، لكنها جرس إنذار إنساني يستحق أن يسمعه المسؤولون، وألا يُترك المواطنون أسرى للاحتمالات والشائعات.
ومن هنا فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى صراع بين الأهالي وفكرة التطوير.
فمن حق الدولة أن تخطط وتطور ومن حق المواطنين في الوقت نفسه أن يعرفوا ما يُخطط لمناطقهم، وأن تُصان حقوقهم القانونية وأن تدرس أوضاعهم الاجتماعية والإنسانية قبل اتخاذ أي قرارات تمس استقرارهم
التواصل مع المواطنين مسؤولية إدارية لا ينبغي أن تنتظر تفاقم المخاوف
وتزداد أهمية هذا الأمر في ظل وجود مستندات ملكية مختلفة لدى عدد من الأهالي وهو ما يستدعي فحص كل حالة وفقًا لأوراقها ووضعها القانوني دون تعميم أو افتراض أن جميع العقارات متطابقة في أوضاعها
وقد لجأ أصحاب الشأن إلى القضاء طلبا لمعرفة حقيقة الأمر لكن التساؤلات الميدانية ما زالت قائمة والحاجة إلى توضيح رسمي تظل ضرورية.
فالحكم القضائي له مساره والتواصل مع المواطنين مسؤولية إدارية لا ينبغي أن تنتظر تفاقم المخاوف.
إلى محافظ القاهرة وإلى كل جهة معنية بمستقبل طرة البلد نطرح أسئلة محددة وواضحة.. هل يوجد مشروع تطوير معتمد يشمل المنطقة؟ وما هدفه ونطاقه؟ وما الأساس القانوني لأعمال الحصر؟ وهل توجد خريطة يمكن إعلانها للأهالي؟ وهل منازلهم داخل نطاق المشروع أم خارجه؟ وإذا استلزم المشروع إجراءات تمس بعض العقارات فما الضمانات القانونية والبدائل التي ستبحث لحماية حقوق السكان؟
طبيعة المشروع والقانون
ولماذا لا يجري لقاء واضح ومعلن مع ممثلين عن الأهالي تعرض خلاله المعلومات المتاحة وتستمع فيه إلى مخاوفهم ومقترحاتهم بدلا من تركهم في دائرة الانتظار؟
إن طرة البلد لا تطلب استثناء من القانون ولا تعلن رفضها للتنمية بل تطلب أن تكون جزءا من مستقبلها لا مجرد أسماء وعقارات في كشوف الحصر. وإذا كان التطوير هو الهدف فلماذا لا يكون تطويرا يدرس إمكانات بقاء الأهالي في منطقتهم ويحافظ على نسيجهم الاجتماعي كلما سمحت طبيعة المشروع والقانون بذلك؟
قبل أن ترسم خريطة التطوير نريد إجابة عن خريطة المصير.. وقبل أن تتغير ملامح المكان نريد أن يعرف الإنسان أين يقف من هذه التغييرات
فالتنمية لا تقاس فقط بما تضيفه إلى الشوارع والمباني بل أيضا بقدرتها على صون كرامة الناس وحقوقهم واستقرارهم.
وأهالي طرة البلد ينتظرون الحقيقة حقيقة واضحة من الجهة المختصة تضع حدا للقلق وتفتح الباب أمام حل يحفظ حقوق المواطنين ويحقق المصلحة العامة.


