ما حكم نشر البلوجر للمقاطع غير الأخلاقية بهدف زيادة عدد المشاهدات؟ الإفتاء تحذر
أجابت دار الإفتاء المصرية عن سؤال ورد إليها عبر الموقع الرسمي على فيس بوك عن ما حكم نشر ومشاركة البلوجر للمقاطع غير الأخلاقية والتى تحتوي على ألفاظٍ وحركات خادشة للحياء، بهدف زيادة عدد ونسبة المشاهدات وتحقيق أرباح مالية، وما موقف الشرع الشريف مِن هذه الأفعال التي يقومون بها؟
الانضباط بقيم الشريعة الإسلامية
وقالت دار الإفتاء إن التَّطوُّر التكنولوجي الهائل يَفْرِض علينا الاستفادة مِن أدواته لتحقيق التَّقدُّم والمنفعة، وهو ما يشجِّع عليه الإسلام، شريطة أن تكون هذه الاستفادة منضبطة بقِيَم الشريعة الإسلامية التي تضع حدودًا واضحة لحماية كرامة الإنسان وخصوصيته.
فاستغلال التكنولوجيا في التلصص، أو تتبع الناس، أو تهديد استقرار المجتمع وقيمه التربوية، هو خروج عن المنهج القويم وتحويل الأداة النافعة إلى وسيلة للهدم.
خطورة نشر الفيديوهات الخادشة
وأوضحت دار الإفتاء أن "الإعلام الرقمي" على انتشاره وسرعة التأثير فيه يُقَدِّم نماذج قد تَخْرُج عن هذه القيم والآداب، ومنها بعض فئة "البلوجر" -وهي كلمة أجنبية في الأصل "Blogger"، وتُطلق على مُقدِّمي المحتوى المرئي على المنصات-، إذ يقومون في بعض محتواهم بنشر فضائح أخلاقية من أجل زيادة التفاعل تعليقًا أو مشاركةً أو إعجابًا- حول ما نُشِر، بل كثيرٌ مِن مقاطع الفيديو القصيرة التي تحكي نصائح وقصصًا مِن صانعي المحتوى هؤلاء بهذه الكيفية لا تختلف في حقيقتها عمَّا يُقدِّمه بائعو الـمُخدِّرات، فكلاهما إدمان ومُدمِّر ومنتشر، بل وثراؤه سريع.
التحذير من نشر المقاطع غير الأخلاقية
وتابعت دار الإفتاء أن نشر المقاطع غير الأخلاقية فيه إشاعة الفاحشة في المجتمع، وهي جريمة حَذَّر منها الحق سبحانه وتعالى؛ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النور: 19]. والآية عامة في الذين يَلتمسون العورات، ويهتكون الستور، ويُشيعون الفواحش.
قال الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب" (11/ 279، ط. دار الفكر): [لا شك أن ظاهر قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ﴾ يفيد العموم وأنه يتناول كل من كان بهذه الصفة، ولا شك أن هذه الآية نزلت في قذف عائشة؛ إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؛ فوجب إجراؤها على ظاهرها في العموم، ومما يدل على أنه لا يجوز تخصيصها بقذفة عائشة؛ قوله تعالى ﴿فِي الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه صيغة جمع ولو أراد عائشة وحدها لم يجز ذلك] اهـ.
وقالت دار الإفتاء إن الإسلام جعل إشاعة الفاحشة وفعلها في الوِزْر سواء؛ لعظم الضرر المترتب في الحالتين؛ فقد أخرج الإمام البخاري في "الأدب المفرد"، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "الْقَائِلُ الْفَاحِشَةَ والذي يشيع بها في الإثم سواء"، وقال عطاء رضي الله عنه: "من أشاع الفاحشة فعليه النكال، وإن كان صادقًا" أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره".
كما رَتَّب النبي صلى الله عليه وآله وسلم على جريمة إشاعة الفاحشة عقوبة عظيمة؛ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَشَاعَ عَلَى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ هُوَ مِنْهَا بَرِيءٌ يَشِينُهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا؛ كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يُذيبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ حَتَّى يَأْتِيَ بِنَفَاذِ مَا قَالَ» رواه الإمام الطبراني في "الكبير" كما ذكر الإمام الهيثمي في "مجمع الزوائد" (4/ 201، ط. مكتبة القدسي، القاهرة)، ورواه الإمام ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة والنميمة".
و بَيَّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سوء عاقبة الذين يشنعون على إخوانهم ويُسَمِّعون بهم؛ فقال في الحديث الذي رواه مسلم: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ».
وعن ثوبان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «لَا تُؤْذُوا عِبَادَ اللهِ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَطْلُبُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ طَلَبَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ طَلَبَ اللهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ فِي بَيْتِهِ» أخرجه الإمام أحمد. فمَنْ سَمَّع بعيوب الناس وأذاعها؛ أظهر الله عيوبه وأسمعه المكروه.
وتابعت دار الإفتاء أن نشر مثل هذه الفضائح الأخلاقية مِن قِبَل "البلوجر" يتنافى كليًّا مع حَثِّ الشرع الشريف على السَّتْر والاستتار؛ لأنَّ أمور العباد الخاصة بهم مبنية على الستر؛ فلا يصح من أحد أن يكشف ستر الله عليه ولا على غيره؛ قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ» أخرجه الإمام مسلم.
وفي رواية لابن ماجه: «منْ سَتَرَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ كَشَفَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ كَشَفَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ حَتَّى يَفْضَحَهُ بِهَا فِي بَيْتِهِ».
قال الإمام ابن عبد البر في "التمهيد" (5/ 337، ط. مؤسسة قرطبة): «وفيه أيضا ما يدل على أن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة وواجب ذلك عليه أيضا في غيره».
الواجب على من فعل معصية
حَثَّنا الشرع الشريف على أنَّه مَن ابتلي بمعصيةٍ ألا يُخبر بها، بل يُسرها ويستغفر الله منها ويتوب إليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ» أخرجه الإمام مالك في "الموطأ".
وقد نَصَّ الفقهاء بناءً على ذلك أنه يستحب لمن ارتكب معصية أن يستر على نفسه وعلى الغير، قال العلامة المَرْغِينَانِي في "الهداية" (3/ 125، ط. دار إحياء التراث العربي): [الستر واجب والإشاعة حرام] اهـ.
وقال الشيخ عِلِيش المالكي في "منح الجليل" (3/ 408، ط. دار الفكر): [يجب ستر الفواحش على نفسه وعلى غيره لخبر: «مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ»] اهـ.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في "أسنى المطالب" (4/ 131، ط. دار الكتاب الإسلامي): [(ويستحب للزاني) ولكل من ارتكب معصية (الستر) على نفسه] اهـ.
وقال العلامة الموفَّق ابن قُدَامة الحنبلي في "المغني" (10/ 182، ط. مكتبة القاهرة): [ورد الشرع بالستر والاستتار] اهـ.
حكم نشر الفضائح عن طريق الغير
نشر الفضائح والمقاطع غير الأخلاقية عن طريق الغير يُعَدُّ من الغيبة المحرمة؛ لأنَّ فيه ذكر الشخص بما يكره أن يُذكر به.
قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 535، ط. دار ابن حزم): [فأما الغيبة: فهي ذكرك الإنسان بما فيه مما يكره، سواء كان في بدنه، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خَلقه، أو خُلقه، أو ماله، أو ولده، أو والده، أو زوجه، أو خادمه، أو مملوكه، أو عمامته، أو ثوبه، أو مشيته وحركته، وبشاشته وخلاعته، وعبوسه وطلاقته، أو غير ذلك مما يتعلق به؛ سواء ذكرته بلفظك، أو كتابك، أو رمزت، أو أشرت إليه بعينك، أو يدك، أو رأسك، أو نحو ذلك] اهـ.








