مناقب أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان وقصة هجرتها للحبشة وزواجها من النبي
تبرز سيرة أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله عنها كنموذجٍ فريد للفضل والبركة حيث جمعت بين شرف المصاهرة النبوية والاجتهاد في الذكر ونقل العلم والسنن للأمة.
وهي أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان من بنات عمِّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أقرب نسائه إليه كان أبوها سيدًا من سادات قريش، كان من المشركين، وكان من أعداءِ النبي صلى الله عليه وسلم.
المولد والنشأة
ولدت قبل البعثة بثلاثة عشر عاما، وتزوجت من عبيد الله بن جحش ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان زوجها نصرانيا قبلَ الإسلام فارقَ دينَ آبائه واعتنق النصرانية، ولما جاء الإسلام اعتنق الإسلام، فكانت من السابقين إلى الإسلام، هي وزوجها، ونالت هي وزوجها من أذى قريشٍ وخاصةً من أبيها الكثير، فهاجرت مع من هاجر إلى الحبشة هي وزوجها في الهجرة الأولى وكانت حاملًا، وأنجبت هناك بنتًا سمتها حبيبة، ثم الهجرة الثانية واستقرت بالحبشة مع زوجها.
ولسوء حظها، فقد كان في الحبشة الدينُ النصراني، ووجد زوجها عبيد الله من شجعه على العودة إلى النصرانية، فارتد عن الإسلام واعتنق النصرانية ثانية.
وذاتَ يومٍ، دخل عليها زوجها وقال لها: "قد رجعتُ إلى النصرانية فهل لك أن تفعلي كما فعلت؟ فزعت أم حبيبة وحزنت حزنًا شديدا على ما حدث لزوجها وقالت: "والله يا عبيد الله ما خير لك".
رسالة النبي إلى النجاشي
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد بدأ يرسل رسائل إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، فأرسل إلى النجاشي أمية بن عمرو الضمري برسالتين الأولى يدعوه فيها إلى الإسلام، وحينما قرأها النجاشي نزل من علي الكرسي ووضع الرسالة على رأسه، وأعلن إسلامهُ استجابةً لأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسالة يخبره فيها أنه اسلم واستجاب لدعوته، فأخذها أمية بن عمرو الضمري، ثم أعطاه رسالة رسول الله الثانية وفتحها، فوجد فيها دعوة من النبي صلى الله عليه وسلم بالزواج من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان، وعلى الفور أرسل لها النجاشي جاريته تزف إليها البشرى، وفرحت أم حبيبة فرحًا شديدًا حتى إنها أهدت سوارين من فضة هما كل ما تملك للجارية فرحًا بهذا الخبر السعيد.
واستدعى النجاشي المسلمين الموجودين في الحبشة فجاؤوا إليه على الفور، ولما علموا بما حدث فرحوا فرحا شديدا، وخاصة ابن عمها خالد بن سعيد التي تولى عقد زواجها من النبي صلى الله عليه وسلم مع النجاشي، وكان مهرها أربعمائة دينار. وصنع النجاشي وليمة وقال: اجلسوا، فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعامٌ على التزاوج".
كانت فرحة أم المؤمنين رملة بهذا الزواج الميمون فرحةً لا توصف وخاصة أنها قد خسرت زوجها، وهي في أرض غير أرضها، وفي الصباح جاءت جارية النجاشي تحمل غليها هدايا من عود وطيبٍ، فأهدت لها السيدة رملة خمسين دينارا، وقالت لها: كنتُ أعطيتك السوارين بالأمس وليس بيدي شيء من المال. وقد جاءني الله عز وجل بهذا". فرفضت الجارية أن تأخذ الدنانير وردت إليها السوارين وقالت: إن الملك قد أجزل لها في العطاء، وأمرها أن لا تأخذ من أم المؤمنين شيئًا.
كما أمر النجاشي زوجاته أن يبعثن بهدايا مما عندهن إلى أم المؤمنين أم حبيبة فقبلت الهدايا. واحتفظت بها حتى عادت إلى مدينة رسول الله، وظل أصحاب رسول الله بالحبشة حتى جاءهم أمرٌ من النبي صلى الله إلىه وسلم بالهجرة إلي المدينة فكانت فرحتهم غامرة، وخاصةً الزوج الجديد أم المؤمنين رملة، وعادوا بعد أن فتح النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أدري بأيهما أُسر!؟ بفتحِ خيبر أمْ بعودةِ جعفر بن أبي طالب!؟".
وكان لها موقف مع أبيها يُبيِّن ذلك، حين قَدِمَ أبو سفيان المدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم يريد غزو مكة، فكلَّمَه في أن يزيدَ في الهدنة، فلم يقبل عليه، فقام فدخل على ابنته أم حبيبة، فلما ذهب ليجلس على فراش النبي صلى الله عليه وآله وسلم، طوته دونه، فقال: يا بُنَيَّة، أرَغِبْتِ بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟ قالت: بل هو فراش رسول الله، فقال: "يا بُنَيَّة، لقد أصابك بعدي شر".
وعن السيدة عائشة قالت: "دعتني أم حبيبة عند موتها، فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون بين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت: غفر الله لك ذلك كله وحللك من ذلك، فقالت: سررتني سرك الله، وأرسلت إلى أم سلمة، فقالت لها مثل ذلك"، فكان ذلك دليلًا على سموِّ نفسها، وعظمة قدرها، فرضي الله عنها وأرضاها.
كان النبي صلى الله عليه وسلم قد هاجر إلى المدينة في هذه الفترة، ومرت سنواتٌ على مكثه بالمدينة، ووصل خبر أم حبيبة وزوجها عبيد الله بن جحش إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فحزن حزنًا شديدًا، وأراد أن يجبُر كسرها، ويعيد إلىها البسمة. فأرسل إلى النجاشي طلبًا بزواجها.
واحتفلت المدينة كلها بعودة المهاجرين من الحبشة وعلى رأسهم زوجة النبي صلى الله عليه وسلم الجديدة، والتي لم يدخل بها بعد، وصنع سيدنا عثمان بن عفان وليمة كبيرة، ونحر الذبائح، وأطعم الناس، ثم دخلت رملة إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك قبل صلح الحديبية.
رواية الحديث
وروت أم حبية عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة وستين حديثًا. ولما شعَرَتْ بكِبَرِ السن، وكانت السيدة عائشة رضي الله عنها لم تزل على قيد الحياة أرسلت إليها وقالت: "قد يكون بيني وبينك ما يكون بين الضرائر فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك". فقالت عائشة: "غفر الله لك ذلك كله وتجاوز وأحلك من ذلك". فرحت بذلك السيدة حبيبة، وقالت: سررتني سرك الله. أي أسعدتني أسعدك الله. وفعلت مثل ذلك مع أم سلمة، وكانت على قيد الحياة أيضًا وقتها.







