رئيس التحرير
عصام كامل

أكتوبر الملهم بالخداع الاستراتيجي

18 حجم الخط

من أهم الاقتباسات المنشورة مؤخرًا في مؤسسات التحليل الاستراتيجي الإسرائيلي، بالإضافة إلى وثائق يحيي السنوار السرية التي عثر عليها في الأنفاق بعد استشهاده، هو الإقرار بأن خطة الخداع الاستراتيجي التي وضعتها العبقرية المصرية ونفذتها تمهيدًا لحرب أكتوبر 1973 كانت الملهم الرئيس للخطة التي وضعتها حركة حماس لخداع الاحتلال الصهيوني تمهيدًا لعملية طوفان الأقصى.


نفذت حركة المقاومة الإسلامية الخطة بدقة متناهية ورسمت منظومة من الإجراءات والخطط لتضليل العدو، وإعطائه انطباعات ومعلومات خاطئة حول النوايا والقدرات والتوقيت، بهدف تحقيق المفاجأة الشاملة ولولا بعض القصور لانقلبت موازين القوى وتغيرت النتيجة.


إذ استمر تأثير المباغتة لأقل من ثلاثة أيام فقط، حتى بدأ الانتقال من مرحلة الصدمة والدفاع، إلى مرحلة النهوض والتمهيد للهجوم الشامل. لم يكتمل نجاح خطة طوفان الأقصى بسبب الافتقار لوضع تصور زمنى لمدة الحملة، وعدم الاستعداد بتوفير المواد التموينية والإمدادات اللوجستية اللازمة لأهالي القطاع بمدة كافية، الأمر الذي تميزت به الخطة المصرية.


مع ذلك التزمت خطة حماس بالخطوط العريضة لنهج الخطة المصرية بدءًا من اختيار توقيت العملية مواكبًا لأحد الأعياد الدينية اليهودية؛ يوم كيبور(عيد الغفران) في 1973، وسيمحاة هاتوراه (فرحة التوراة) في 2023. مرورًا، بتفعيل عملاء مزدوجين حتى عشية الغزو لتزويد جهاز الأمن الإسرائيلي (الشاباك) بمعلومات كاذبة. 

 

وقد كشفت دراسة جديدة نشرها مركز القدس للأمن والشؤون الخارجية (JCFA) أن حماس حددت شبكة تجسس إسرائيلية في عام 2017 وتمكنت من تجنيد بعض أعضاء الشبكة ليصبحوا عملاء مزدوجين يعملون تحت إشرافها. وقد قام هؤلاء بجلب المعلومات من الجانب الإسرائيلي ونقل معلومات وبيانات معينة أريد توصيلها للعدو.


كذلك اتبعت خطة حماس للخداع الاستراتيجي عملية التضليل، فتم تزويد المخابرات الإسرائيلية، حتى مساء السادس من أكتوبر، بانطباع مفاده أن الأوضاع في غزة كانت روتينية، مما سمح لحماس بإخفاء خططها أثناء تسليح قواتها وتركيزها. 

أشار إلى ذلك تحقيق الجيش الإسرائيلي في الإخفاقات التي سبقت المجزرة الذي رصد أنه في السادس من أكتوبر، وردت مؤشرات على هجوم محتمل من حماس، إلى جانب مؤشرات مطمئنة، إلا أن التحقيق لم يوضح ماهية تلك المؤشرات. وأفاد تحقيق جهاز الأمن العام (الشاباك) بأن مصادر استخباراتية بشرية، أو عناصر استخباراتية، أكدت أن حركة حماس كانت تمارس أنشطتها بشكل روتيني.


أكثر من ذلك امتنعت الحركة عن المشاركة في أنشطة وعمليات حركة الجهاد الإسلامي ضد الاحتلال، وكثفت عمليات الخداع التكتيكي، شملت بثّ رسائل تطمين بأن "هناك شعورًا عامًا بأن غزة تحت قيادة حماس كانت تركز على شؤونها الخاصة، وتريد جلب كمية معينة من الوقود والكهرباء والمساعدات، وترغب في فك الحصار الاقتصادي المفروض عليها والمضي في خطة تنمية لأهالي القطاع، بما أوحى بعدم نزوعها إلى القيام بعمليات عسكرية، مما يعني أن غزة كانت تلعق جراحها وآلامها بسبب الحصار المفروض عليها، وأن حماس لم تَرُد على التصعيد الذي قام به الاحتلال في القدس والأقصى بعد عملية "حارس الأسوار" أو حرب 2021.

إمعانًا في التمويه استلهمت حماس من الخطة المصرية عملية خداع أدت إلى خلق انطباع خاطئ في إسرائيل بأن الهجوم المخطط له سيأتي عبر الأنفاق، بينما شنت حماس غزوًا بريًا. كذلك سعت إلى خلق انطباع بأن سياسة الترغيب والترهيب الإسرائيلية، التي جمعت بين التهديدات باغتيال كبار قادة حماس والإغاثة الاقتصادية لغزة، كانت ناجحة.. 

وبدأت عملية تضليل شارك فيها الشهيد يحيي السنوار قائد حماس حين شارك شخصيا في مفاوضات تبادل الأسرى الفلسطينيين مقابل جثث الجنود الإسرائيليين، حيث عرض السنوار أولوياته فيما يتعلق باتفاق محتمل مع إسرائيل بشأن إطلاق سراح السجناء، أدت مشاركة السنوار إلى زيادة اهتمام إسرائيل بالتوصل إلى اتفاق مع حماس واستبعاد احتمال أي مواجهة عسكرية.

الجريدة الرسمية