رئيس التحرير
عصام كامل

نتائج التخطيط السري للشرق الأوسط

18 حجم الخط

تستحق مخرجات الدورة الرابعة لمؤتمر الحوار الأمريكي الشرق أوسطي Middle East America Dialogue الذي انعقد في واشنطن يومي 8-9 سبتمبر التوقف عندها طويلًا. هذا المؤتمر -لمن لا يعرف- بمثابة منصة تتيح إجراء مناقشات استراتيجية وصياغة سياسات مشتركة بشأن أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية التي تؤثر على مستقبل المنطقة بأسرها. 

وأصبح في السنوات الأخيرة، أهمّ وأكثر المحافل تأثيرًا في صياغة العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الشرق الأوسط، معروف اختصارًا باسم (ميد) MEAD. المؤتمر يتم برعاية أمريكية إماراتية، وينعقد مرتان سنويًا؛ الدورة الأولى في العاصمة الإماراتية أبوظبي في إبريل من كل عام، لكن تم إلغاؤها هذا العام نظرًا لظروف المنطقة والحرب الإيرانية، والثانية تنعقد في شهر سبتمبر بواشنطن، تستضيف فيها العاصمة الأمريكية أكثر من 200 من كبار قادة الولايات المتحدة والشرق الأوسط، في إطار حصري يقتصر على المدعوين فقط.


في أجواء من السرية التامة جرت هناك في واشنطن مناقشات إعادة رسم الشرق الأوسط بمشاركة إسرائيل وبعض الدول العربية. كالعادة طُبقت علي المؤتمر قاعدة "تشاتام هاوس" التي تنص على سرية المعلومات وحظر نسب التصريحات لقائليها. هذه القاعدة هي التي أتاحت مشاركة  مطمئنة وبأريحية لبعض العرب ممن ليس لديهم علاقات رسمية بإسرائيل. فالسرية التامة تُمكّن المشاركين من إجراء مناقشات مفتوحة وصريحة، وتبادل المعلومات الحساسة، وصياغة مواقفهم دون خشية النشر الفوري أو الكشف عن هوياتهم.


لا تمنع السرية المفروضة من نشر بعض التغطيات الصحفية، فمن بين المدعوين مراسلون، وهيئات إعلامية معظمها أمريكية وإسرائيلية، فضلًا عن مسؤولين إقليميين بارزين يفترض أن يقوموا  بوضع أطر عمل لمرحلة ما بعد الحرب. ومن أبرز مخرجات هذه الأطر التي نوقشت إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة قوامها 20 ألف جندي، استقطبت مساهمات عسكرية مُتعهد بها من دول مثل أرض الصومال (إسرائيل كانت الوحيدة التي اعترفت بها مؤخرًا وها هي تستأجر مقاتلين مرتزقة ليفرضوا الأمن على غزة). 


ولأن المؤتمر يركز على تطوير السياسات خلف الكواليس، فإن مخرجاته عادةً لا تكون بيانات عامة منفردة، بل تحولات إقليمية استراتيجية وأطر تعاونية وهذا العام جمع المؤتمر ممثلين من 24 دولة، من بينها 12 دولة من الشرق الأوسط وهذا أكبر عدد من الدول المشاركة منذ تأسيس المؤتمر.

 

ركزت الدورة الحالية بشكل أساسي على ملامح السياسات الأمنية والعلاقات الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول الشرق الأوسط. وبحسب التقارير والتسريبات التي خرجت من كواليس المؤتمر، فقد ركّزت المناقشات على عدة ملفات بارزة أهمها: ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، والوضع في لبنان، وجهود تعزيز النظام في غزة والمقصود بها التخلص من حكم حماس وتثبيت نظام حكم آخر تحت الوصاية الإسرائيلية، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني. وفي الوقت نفسه، جرى بحث أطر أمنية إقليمية جديدة لم يتم الإفصاح عنها بعد!


على الرغم من الغطاء السري المحكم، لم يخل الأمر من بعض التسريبات الطفيفة، التي تترفع الغطاء عما خفي من أمور. يبدو من التسريبات  أنها مقصودة نقلها الصحفي الإسرائيلي عاميت سيجال وكأنها رسائل خفية. في القضية الإيرانية، أشار إلى أن التحركات العسكرية تترافق مع ضغوط متزايدة في المجال الاقتصادي. 

وإلى أنه "بعد نحو ستة أشهر من الحصار الأمريكي لممر هرمز، يرى الموساد أنه إذا لم تستسلم الولايات المتحدة أو تنهار، فسيشهد الربع الأول من عام 2027 سقوط إيران".


ويستشهد سيجال أيضًا بكلمات مسؤول أمريكي رفيع المستوى قال في المؤتمر إنه في مثل هذه الحالة، "سيكون هناك شرق أوسط جديد"، ويشير إلى أن التصور بأن إيران خرجت من الصراع بصورة إيجابية قد اختفى تمامًا تقريبًا.

 

بعيدًا عن التسريبات، وبالنظر إلى التطورات السياسية المتوقعة، من الملاحظ أن تصادف توقيت عقد المؤتمر قبيل الحملة الانتخابية الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، وهما حملتان ستؤثران بالطبع على استمرار العلاقات بين البلدين وعلى السياسة الأمريكية في المنطقة. 

ويبدو أن الضغط على إيران سيزداد بعد الانتخابات في إسرائيل والولايات المتحدة. وفي حال فوز الجمهوريين، سيتمكن ترامب من مهاجمة إيران تحت وطأة نوبة غضب مفتعلة بعد أن يتحرر من أي انتخابات أخرى في حياته السياسية، لكن في هذه الأثناء يبقى وضع نتنياهو فيما يتعلق بقدرته على المناورة في حكومة انتقالية غير واضح.

الجريدة الرسمية