رئيس التحرير
عصام كامل

من الذي يهدم أساسات الشخصية المصرية؟

18 حجم الخط

نواجه ظاهرة غريبة من أولياء أمور شباب وفتيات قاموا بتصرفات شاذة وغريبة منافية لكل الأعراف والتقاليد التي يقوم عليها المجتمع. إنبرى الأهالي دفاعًا عن أبنائهم بمبررات وأعذار واهية هي أقبح مما اقترفوه من ذنوب. ضاعت مفاهيم العيب والاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه، واستبدلت بالإنكار والتبجح والبلطجة والتطاول والعدوان. 
 

هذه الظاهرة هي جزء من كل، فقد  شهدت سلوكيات وعادات المجتمع المصري تحولات وتغيرات ملحوظة خلال السنوات الأخيرة، تحتاج إلى نقاشات واسعة بين علماء الاجتماع والنفس والمسؤولين حول أسبابها وتداعياتها على الهوية والبنية المجتمعية.


في الواقعة المعروفة إعلاميًا بواقعة فتاة البيرة بالتجمع الخامس، كان دفاع الأم عن ابنتها أكثر استفزازًا من الواقعة نفسها: "بنتي محترمة ومتربية وكانت تستقل سيارة برفقة خطيبها السعودي"، "الخلاف بدأ بعد ما استفزها السائق وانتهك خصوصيتها وقام بتصويرها دون إذنها"!، "بنتي اشترت البيرة بسبب حصوات الكلى وأملاح زائدة"!، "المشروبات الكحولية تُباع في أماكن مرخصة من الدولة". 

بديهي أن الاحتجاج بانتهاك الخصوصية كان من افتكاسات محامي الفتاة الذي أراد أن يقلب الطاولة على سائق الأوبر الذي لم يجد وسيلة لإثبات الواقعة وحماية نفسه سوى تصوير الفتاة.
 

في واقعة أخرى تداولتها وسائل التواصل الاجتماعي لطالب توجه إلى المدرسة بالشبشب، استدرت بسببها تعاطف كثير من المتابعين واقترحوا تدشين حملات لجمع التبرعات نظرًا لضيق الظروف الاقتصادية للفتى، خرج الوالد مستكبرًا ليؤكد أنه ميسور الحال وأن باستطاعته مساعدة المدرسة (يقصد أنا اشتريكم بفلوسي)، وبدلًا من الاعتذار عن تصرف إبنه والوعد بمتابعته سلوكيًا وإفهامه حرمة مكان الدراسة، وتعليمه ما يليق وما لا يليق وضرورة الالتزام بالزي المدرسي، كان تبريره لسلوك ولده أنه "استيقظ متأخرًا ولم يتمكن من استكمال ارتداء كامل زيه"!

 
ناهيك عن حالات العنف واعتداء الأهالي على الأطباء والمدرسين وما يصاحبها من تخريب لمرافق المنشآت التعليمية والطبية، التي دائما ما تبرر بالغضب من سوء الخدمة الطبية، أو الإهمال، او تعنيف الطالب ومعاقبته على سوء سلوكه. كلها ممارسات سلبية تدق ناقوس الخطر وتستوجب دراستها وتحليل أسبابها. 

ربما يردد البعض أن الأجيال الشابة خرجت عن سيطرة الأهل؛ وكثير منهم توحش إزاء وهن الأهالي فلم يعد بيدهم سوى التغطية على أخطائهم، بل وتشجيعهم عليها بعد أن فقدوا القدرة على الردع. 


من الممكن القبول بهذا الزعم، لكن السؤال هنا ما الذي أودى بالشباب إلى هذا المنزلق؟ من الذي لعب في أساسات الشخصية المصرية لتشهد هذا التغيير الجذري الكبير؟ 


الإجابة بكل ثقة هي سوء التربية، وغياب القدوة. فتقدم العمر بالآباء لا يعفيهم من مسؤولية حسن التربية وتنشئة الأطفال في شبابهم. قبل سنوات جزعت حينما قادتني الصدفة لسماع أم  جامعية تحذر ابنها قبل دخول امتحان الإعدادية: "مش عايزة أسمع ان هناك سؤال لم تجب عليه، ماتعرفش الإجابة غش من ال جنبك"! هكذا وبكل وقاحة غرست الغش والاحتيال في سلوك ابنها بدلًا من قيم النزاهة والأمانة.


لقد رصد خبراء علم النفس هزة في النسق القيمي وطريقة التواصل اليومي، مما أدى إلى ظهور سلوكيات فردية مستحدثة، أرجعوها إلى  تأثير الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على الشخصية المصرية، أضيف إليها تأثير الأعمال الفنية من سينما ومسرح ودراما تليفزيونية تنشر العنف وتنتصر للبلطجة كوسيلة لأخذ الحق أو الاعتداء على حقوق الآخر.


صحيح أن التحديات المعيشية والتغيرات السكانية ساهمت في بروز حالات من الإحباط، اللامبالاة، أو العنف اللفظي والعدوانية لدى بعض الفئات. كما اختلت منظومة تكافؤ الفرص واختلت معها أخلاقيات الناس فى السلوك والكفاءة والمسئولية، ولم يعد للمنافسة الشريفة مكان، واحتلت مكانها المزاحمة والمكاتفة فأصبح الفائز هو من يستطيع أن ينافس على موقع مرموق مهما تضاءلت قدراته الأمر الذي يفسر ظاهرة الغش الجماعي في الامتحانات، وتدهور مستوى الخريجين.

في الواقع لا يكفي رصد الظاهرة فالكارثة الكبرى هي أن نألف توطن السوس وأن نضحك من نخره في المجتمع كأنه يزغزغنا (الكلمة عربية فصحى).

الجريدة الرسمية