حين يهتز كل شيء
في حياة كل إنسان أوقات يشعر فيها أن الأشياء التي كان يستند إليها لم تعد ثابتة كما كانت. خطة تتغير، علاقة تنتهي، عمل لا يسير كما توقع، حلم يتأخر، أو خبر يأتي في وقت لم يكن مستعدًا له. وفجأة يجد الإنسان نفسه أمام سؤال صعب: إذا كانت الأشياء التي كنت أظن أنها ثابتة قد تغيرت، فأين أجد الأمان؟ ربما تكون الإجابة في أن نبحث عن الأمان في الشيء الذي لا يتغير، لا في الأشياء التي تتغير باستمرار.
وفي سفر مراثي إرميا، وسط مشهد شديد القسوة من الحزن والخراب والألم، تأتي كلمات تحمل قدرًا كبيرًا من الرجاء: «مِنْ إِحْسَانَاتِ الرَّبِّ أَنَّنَا لَمْ نَفْنَ، لِأَنَّ مَرَاحِمَهُ لَمْ تَزَلْ. هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ. كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ». والمميز هنا أن هذه الكلمات لم تُكتب في وقت كانت فيه الحياة مثالية، بل خرجت من قلب يرى الخراب والألم. وهذا يجعلها أكثر عمقًا؛ لأن الرجاء الذي يولد وسط الراحة سهل، أما أن ترى الأمانة وسط الانكسار، فهذه درجة مختلفة من الثقة.
نحن أحيانًا نربط أمانة الله بما يحدث وفق رغباتنا. فإذا جاءت الأمور كما نتمنى، نقول إن الله أمين، وإذا تعثرت الأمور أو تأخرت الإجابات، يبدأ السؤال في داخلنا: أين أمانة الله؟ لكن أمانة الله لا تعني أن كل شيء سيحدث بالطريقة التي رسمناها، ولا أن كل دعاء سيأتي الرد عليه في الوقت الذي نريده. الأمانة تعني أن الله لا يتغير بتغير ظروفنا، وأن رحمته لا تتوقف عندما تصبح أيامنا صعبة.
قد يتغير الناس من حولك، لكن الله لا يتغير. قد تتبدل الظروف، لكن وعوده لا تصبح أقل قيمة. قد تخسر شيئًا كنت تظنه مصدر أمانك، لكن هذا لا يعني أنك فقدت الأمان نفسه. وهنا نحتاج إلى أن نفرق بين ما هو ثابت فعلًا، وما كنا نتوهم أنه ثابت.
فالمال قد يتغير، والصحة قد تتغير، والعمل قد يتغير، والعلاقات قد تمر بمراحل مختلفة، وحتى الإنسان نفسه يتغير مع الوقت. أما الله، فلا تتغير محبته لمجرد أن يومك أصبح صعبًا. ولذلك، عندما تهتز الأشياء من حولك، لا تجعل اهتزازها يهز صورتك عن الله.
قد لا تعرف ماذا سيحدث غدًا، لكنك تعرف أن رحمة الله ليست مرتبطة بيوم واحد. وقد لا ترى حلًا الآن، لكن عدم رؤيتك للحل لا يعني أنه لا يوجد. وقد لا تفهم سبب ما يحدث، لكن عدم فهمك لا يعني أن الله تركك.
والجميل في كلمات سفر المراثي أنها تقول: «هِيَ جَدِيدَةٌ فِي كُلِّ صَبَاحٍ». كأن كل صباح يحمل تذكيرًا جديدًا بأن رحمة الله لم تنتهِ مع يوم أمس. وهذا معنى نحتاج إليه جدًا؛ لأن الإنسان أحيانًا يعيش اليوم الجديد بعقلية اليوم القديم. إذا فشل أمس، يتوقع الفشل اليوم. وإذا تألم أمس، يخاف أن يتألم بالطريقة نفسها غدًا. لكن كل صباح يحمل فرصة جديدة لرؤية رحمة مختلفة.
ربما لا تتغير الظروف كلها، لكن قد يتغير قلبك وأنت تواجهها. وقد لا ينتهي السؤال فورًا، لكن قد يمنحك الله قوة لتعيش إلى أن تأتي الإجابة. وقد لا يفتح الباب الذي كنت تريده، لكنه قد يمنحك القدرة على اكتشاف باب آخر لم تكن تراه.
وهنا تظهر أهمية عبارة «كثيرة أمانتك». فهي لا تقول إن أمانة الله قليلة أو مرتبطة بظروف معينة، بل تضع أمام الإنسان حقيقة أكبر من مشاعره المتغيرة: أن الله أمين حتى عندما لا نستطيع أن نفهم طريقة عمله.
كم مرة ظننا أن تأخر شيء يعني أنه لن يحدث، ثم جاء في وقته؟ وكم مرة ظننا أن خسارة معينة ستكون نهاية حياتنا، ثم اكتشفنا أننا استطعنا أن نكمل؟ وكم مرة مررنا بأيام كنا نظن أننا لن نخرج منها، ثم أصبحنا بعدها قادرين على النظر إليها من مسافة مختلفة؟
هذا لا يعني أن كل قصة ستنتهي بالطريقة التي نرسمها، ولا أن كل ألم سيأتي بعده تعويض مطابق لما فقدناه. لكن معناه أن الإنسان ليس مضطرًا إلى أن يعيش أسيرًا للخوف من المستقبل. فإذا كنت اليوم تشعر أن كل شيء يهتز حولك، حاول ألا تبحث عن الثبات في الأشياء التي يمكن أن تتغير. لا تجعل سلامك متعلقًا بأن يظل الجميع كما هم، أو أن تسير كل الظروف كما تريد، أو أن تضمن نتيجة كل خطوة.
ضع ثقتك في الله، وافعل ما تستطيع، واترك له ما لا تستطيع. قد لا تستطيع أن تمنع العاصفة، لكنك تستطيع أن تختار أين تقف أثناءها. وقد لا تستطيع أن تعرف متى ستنتهي المرحلة الصعبة، لكنك تستطيع أن تدخل يومك وأنت تعرف أن رحمة الله ليست متوقفة على انتهائها.
وربما يكون أجمل ما في الآية أن إرميا لم يقل: "كانت كثيرة أمانتك"، وكأنها شيء انتهى في الماضي، بل أعلنها في وسط الألم: «كَثِيرَةٌ أَمَانَتُكَ». وهذا ما نحتاج أن نتعلمه نحن أيضًا؛ أن نرى أمانة الله ليس فقط عندما نحصل على ما نريد، ولكن أيضًا عندما نعبر ما لم نكن نريد أن نمر به.
ففي بعض المراحل، قد لا يكون أقوى شيء تملكه هو إجابة، ولا حلًا، ولا معرفة بما سيحدث، بل يقين بسيط يقول: أنا لا أعرف ماذا سيحدث، لكنني أعرف أن الله أمين. وعندما تثبت هذه الحقيقة في قلبك، لن يعني ذلك أن الخوف سيختفي تمامًا، لكنه لن يصبح أقوى منك. وستعرف أن اهتزاز الظروف لا يعني اهتزاز يد الله، وأن تغير الأيام لا يعني تغير وعوده، وأن ما لا تستطيع أن تراه اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من قصة تفهم من خلالها لماذا كان عليك أن تكمل.
لذلك، إذا كنت تمر الآن بوقت تشعر فيه أن كل شيء غير مستقر، لا تحكم على حياتك من خلال هذه اللحظة وحدها. لا تجعل يومًا صعبًا يخبرك أن كل الأيام ستكون صعبة، ولا تجعل بابًا مغلقًا يقنعك بأن كل الأبواب أُغلقت. هناك صباح جديد، ورحمة جديدة، وفرصة جديدة، ورب أمين لم تتغير محبته لأن حياتك تغيرت.
قد تهتز أشياء كثيرة حولك، لكن أمانة الله لا تهتز. وقد لا تعرف كيف ستعبر المرحلة، لكن يكفي أن تعرف أن رحمته جديدة في كل صباح، وأن «كَثِيرَةٌ أَمَانَتُهُ».
