رئيس التحرير
عصام كامل

أشرف سيد يكتب: طرة البلد قطعة جميلة على النيل تثير أسئلة الاستثمار والحصر.. هل هناك مستثمر بعينه حصل على المنطقة؟.. ولماذا لا يتم التطوير والأهالي بداخلها وهم جزء من هذا المستقبل؟

أشرف سيد، فيتو
أشرف سيد، فيتو
18 حجم الخط

هناك مناطق في القاهرة يعرفها الجميع ومناطق أخرى تعيش في الظل سنوات طويلة، رغم أنها تمتلك مقومات تجعلها في يوم من الأيام محل اهتمام كبير وطرة البلد واحدة من هذه المناطق.

طرة البلد منطقة تطل على النيل، وتملك واجهة مائية ذات طبيعة خاصة وموقعا يجعلها جزءا مهما من المشهد العمراني والاقتصادي في جنوب القاهرة، وربما اعتاد أهلها البسطاء أن ينظروا إلى المكان باعتباره البيت الذي ولدوا فيه وعاشوا فيه، بينما قد ينظر إليه آخرون من زاوية مختلفة تماما.

موقع على النيل يمكن أن تكون له قيمة استثمارية كبيرة إذا دخل في أي مخطط تطوير مستقبلي.

وهنا لا نتحدث عن معلومة سرية، ولا نقول إن هناك مستثمرا بعينه حصل على طرة البلد، ولا يجوز أصلا تحويل الأحاديث المتداولة بين الأهالي إلى حقيقة دون مستند رسمي، لكن السؤال يبقى قائما: لماذا طرة البلد؟!.. ولماذا الآن؟!.. ولماذا  لجان الحصر؟!.. وماذا بعد انتهاء الحصر؟!
فمحافظة القاهرة لديها بالفعل تاريخ طويل في مشروعات تطوير واجهات النيل، وتصف في خططها الاستراتيجية تطوير كورنيش النيل ضمن المشروعات ذات الطابع السياحي والاستثماري.
كما شهدت مناطق أخرى على النيل مشروعات جمعت بين التطوير والاستثمار والاستخدامات التجارية والترفيهية والسكنية.

وهذا يجعل التساؤل حول مستقبل أي منطقة متميزة على النيل أمرا طبيعيا، وليس اتهاما لأحد.

وطرة البلد تحديدا تستحق أن يُنظر إليها من أكثر من زاوية. 
فهي ليست مجرد بيوت متجاورة، وإنما منطقة لها طبيعتها وموقعها وعلاقتها المباشرة بالنيل، إلى جانب قربها من محاور وطرق رئيسية شهدت خلال السنوات الماضية أعمال تطوير، من بينها محور شمال طرة الذي ربط مناطق داخل جنوب القاهرة بكورنيش النيل في إطار مشروعات تحسين الحركة المرورية.

هل توجد بالفعل رؤية مستقبلية لتطوير الواجهة النيلية في طرة البلد؟

والأهالي أنفسهم يرون أن منطقتهم تتمتع بميزة ربما لا يدركها كثيرون..
هواء النيل وهدوء المكان، وخصوصية الحياة الاجتماعية، وامتداد الواجهة المائية.. كل ذلك يجعل طرة البلد مختلفة عن كثير من المناطق المحيطة بها.

بل إن أبناء المنطقة يتحدثون دائما عن طبيعة المكان، وعن أهل طرة الذين اشتهروا بينهم بالطيبة وكرم الضيافة وحسن الجوار، وبساطة التعامل..

هؤلاء الناس عاشوا في المكان باعتباره وطنا صغيرا، بينما قد تكون قيمته الاقتصادية في نظر آخرين شيئا مختلفا تماما..
وهنا يتساءل أهالي طرة البلد: هل توجد بالفعل رؤية مستقبلية لتطوير الواجهة النيلية في طرة البلد؟
وإذا كانت هناك رؤية فما طبيعتها؟.. هل هي تطوير خدمي فقط.. أم تطوير عمراني؟ 
أم مشروع للواجهة النيلية.. أم توجد أفكار استثمارية لم يعلن عنها بعد؟
ومَن الجهة التي تضع المخطط.. ومن الجهة التي ستنفذه؟
وهل الحصر الحالي مرتبط بهذا كله، أم أنه إجراء آخر لا علاقة له بهذه التساؤلات؟
هذه الأسئلة لا يجوز أن تبقى معلقة..
لأن غياب المعلومة يخلق فراغا، والفراغ تملؤه الشائعات والتفسيرات، والحديث عن المستثمرين والمشروعات والصفقات..
ومن هنا يأتي طلب أهالي طرة البسيط جدا: إذا كانت هناك مشروعات أو مخططات أو استثمارات.. قولوا لنا.. وإذا لم تكن هناك أي مشروعات استثمارية فقولوا لنا أيضا.
وإذا كان الحصر إجراء فنيا لا علاقة له بأي مشروع استثماري فليخرج المسؤول المختص، ويشرح ذلك للأهالي، وينهي حالة القلق.
الأهالي لا يطلبون معرفة ما لا يجوز إعلانه، وإنما يطلبون معرفة ما يخص بيوتهم ومستقبلهم.
فلا يمكن أن يرى المواطن لجانا تدخل المنطقة وتصور العقارات وتحصر الممتلكات، ثم يسمع في المقابل عشرات الروايات عن مستقبل المكان دون أن يجد أمامه معلومة رسمية واضحة.
والمفارقة أن طرة البلد ربما تكون من أكثر المناطق التي تستحق أن تدرس إمكاناتها بصورة معلنة لأن الاستثمار الحقيقي لا يبدأ من إخفاء المعلومة عن أصحاب المكان، وإنما من رؤية واضحة ومخطط معلن، وقواعد قانونية معروفة وحقوق محددة للمواطنين.
وإذا كان هناك مستثمر بالفعل ينظر إلى المنطقة.. فالأهالي لديهم سؤال بسيط جدا.. لو طرة البلد ستدخل مشروعا استثماريا.. عرفونا.

قولوا لنا من البداية: ما طبيعة المشروع؟.. من صاحبه؟.. ما الذي سيحدث للبيوت؟.. ما حقوق السكان؟.. أين سيذهب أصحاب المنازل والمحلات ومصادر الرزق؟.. ماذا سيبقى من طرة البلد وماذا سيتغير؟.. وهل التطوير وعودة الأهالي للمكان خيار متاح؟

تطوير المنطقة والأهالي بداخلها

ومن بين المقترحات التي يطرحها أهالي طرة البلد: لماذا لا يتم تطوير المنطقة وهم بداخلها؟ ولماذا لا تعاد صياغة المكان عمرانيا حتى لو جرى تجميع الأسر في عمائر سكنية منظمة داخل المنطقة نفسها بعيدا عن أي تمييز بين مواطن وآخر؟

فمثلث ماسبيرو شهد بالفعل توفير أبراج للسكن البديل للراغبين في العودة بعد التطوير، وهو نموذج يفتح باب التساؤل حول إمكانية دراسة حلول مشابهة في طرة التي يقول الأهالي إن عدد سكانها يتراوح بين 8 و10 آلاف نسمة، وهنا يعود السؤال الذي ينتظر إجابة واضحة:

هل هناك مستثمر بعينه حصل على المنطقة؟ أم أن طرة ما زالت أمام مشروع تطوير لم يعلن عن تفاصيله؟ وإذا كان هناك استثمار مقبل فلماذا لا يكون الأهالي جزءا من هذا المستقبل بدلا من أن يكونوا خارجه؟

طرة لا تريد شائعات ولا اتهامات ولا صداما مع أحد

أما أن تظل المعلومات غائبة والحصر قائما، والناس تسمع كلاما متضاربا، فهذا هو الذي يضاعف الخوف..
ولا أحد يريد أن يصدق أن أهالي طرة يمكن أن يكونوا آخر من يعرف ما يجري في المكان الذي عاشوا فيه عمرهم كله..
إن كانت طرة البلد بالفعل على خريطة التطوير فليكن التطوير واضحا وعادلا ومعلنا..
وإن كانت هناك قيمة استثمارية للمكان فلتكن هذه القيمة سببا في تحقيق مصلحة عامة حقيقية مع احترام حقوق الأهالي وكرامتهم وحقوقهم القانونية.. 
أما إذا لم يكن هناك أي مخطط استثماري فلتخرج الجهة المختصة، وتعلن ذلك بوضوح..
كلمة واحدة من المسؤول قد تنهي عشرات الأيام من القلق..
وطرة البلد لا تريد أكثر من ذلك..
لا تريد شائعات ولا اتهامات ولا صداما مع أحد..
تريد فقط أن تعرف: لماذا يتم الحصر.. وماذا بعد الحصر؟
وهل طرة البلد مجرد منطقة يتم حصرها.. أم أنها منطقة أصبحت بالفعل تحت أنظار مخطط أكبر؟
السؤال مطروح والإجابة ليست عند الأهالي..
الإجابة عند من يملك القرار والمعلومة..
أما محافظة القاهرة فعليها أن تستيقظ قبل أن يصبح الصمت عنوانا للمشهد، فالمواطنون لا يريدون تجاهلا، ولا تكبير دماغ، وإنما يريدون مسؤولا يسمعهم، ويشرح لهم الحقيقة.

“صحي النوم يا محافظة”، فالصمت الطويل لا يطفئ القلق بل يزيده، والقرارات التي تمس بيوت الناس لا تحتمل الغموض، أو التعامل من فوق إلى تحت.

افتحي باب الحوار قبل أن تضطري الجميع إلى الاستيقاظ على كابوس أكبر. 

 

الجريدة الرسمية