إعلامنا بين التخويف والتجريف!
إعلامنا.. أين ذهبت البوصلة؟ ولماذا تراجع تأثيره، واهتزت مصداقيته؟ كيف انتقلنا من صحافة كانت تبحث عن المعلومة، إلى صحافة وإعلام ينتظرانها؟ ومن صحفي يطارد الخبر من مصدره، إلى محرر يكتفي بما يأتيه جاهزًا؟ وهل أصبحنا نملك وفرة في الكلام، ونقصًا في المعلومة؟
أسئلة تفرض نفسها بقوة أمام ما طرحه الإعلامي خيري رمضان وغيره من أساتذة الإعلام، حين استعاد زمنًا كانت فيه الصحافة تنافس من أجل الوصول إلى المعلومة، لا من أجل إعادة نشر البيانات. كان المحرر يذهب إلى الوزارة والهيئة والمحافظة، يسأل ويبحث ويدقق، لأن سبق الصحيفة لم يكن في سرعة النقل فقط، وإنما في امتلاك معلومة لا يملكها الآخرون.
أما اليوم، فقد أصبحت البيانات في أحيان كثيرة تصنع معظم المشهد، بينما تراجعت الصحافة التي تنزل إلى الشارع وتبحث عن المصدر وتواجه المسؤول بالسؤال الصعب. والحقيقة أن البيان ليس صحافة، والتصريح ليس تحقيقًا، والمعلومة الرسمية ليست نهاية السؤال، بل بدايته.
وفي الاتجاه الآخر، يلفت الإعلامي محمد علي خير إلى خطر لا يقل أهمية: أن يتحول الإعلام، بقصد أو بغير قصد، إلى مصدر للفزع، عبر تداول توقعات أو تحذيرات لا تستند إلى معلومات موثقة، كما فعل عمرو أديب، بينما تشير البيانات الرسمية إلى توافر مخزونات استراتيجية من السلع والأدوية وارتفاع الاحتياطي النقدي.
لكن الإعلام المهني لا يختار بين التخويف والطمأنة؛ فمهمته أعمق من ذلك. لا يقول للناس «لا تقلقوا» بلا دليل، ولا يقول «استعدوا للأسوأ» بلا دليل. إنما يقول: هذه هي المعلومة، وهذا مصدرها، وهذا ما نعرفه، وهذا ما لا نعرفه.
وهنا تكمن أزمة إعلامنا الحقيقية.
نحتاج إلى صحفي متخصص يعرف كيف يسأل، وكيف يتحقق، وكيف يقارن بين الأرقام، وكيف يميز بين الخبر والشائعة، وبين التوقع والحقيقة. ونحتاج إلى مسؤول يدرك أن إتاحة المعلومات لا تنتقص من هيبة الدولة، بل تحمي المجتمع من الفراغ الذي تملؤه الشائعات.
الإعلام الذي يفقد قدرته على الوصول إلى المعلومات يفقد جزءًا من تأثيره، والإعلام الذي ينقل بلا تحقق يفقد جزءًا من مصداقيته، والإعلام الذي يبالغ في التهويل أو التطمين يفقد ثقة الناس به في الحالتين.
لقد كانت قوة الصحافة ذات يوم في قدرتها على أن تعرف أكثر مما هو متاح على السطح. فهل نستعيد هذه الروح؟
المطلوب ليس إعلامًا يبشر ولا إعلامًا ينفر، وإنما إعلام يبحث ويدقق ويفسر ويسأل. إعلام لا يصنع الفزع، ولا يوزع الطمأنينة.
إعلام يصنع الوعي. فحين تستعيد الصحافة قدرتها على امتلاك المعلومة، تستعيد بوصلتها.. وحين تستعيد بوصلتها، تستعيد تأثيرها وثقة الناس بها. بصراحة ما يفعله عمرو أديب وأمثاله يضر بالدولة أكثر مما ينفعها. وفي الوقت نفسه أهانوا مهنة المذيع والإعلامي!
