رئيس التحرير
عصام كامل

حياة الكمبوندات

18 حجم الخط

أثار الدكتور سمير رضوان، وزير المالية الأسبق وأحد أبرز خبراء الاقتصاد في قضايا التنمية والتشغيل، سؤالًا يتجاوز شكل السكن إلى أثره في الإنسان والمجتمع: هل يمكن أن تتحول التجمعات السكنية المغلقة (الكمبوندات)، بما توفره من أمان وخصوصية ورفاهية، إلى نوع من العزلة الاجتماعية؟


السؤال لا يعني رفض الكمبوندات أو التشكيك في حق الناس في اختيار المكان الذي يناسبهم، وإنما يلفت النظر إلى جانب آخر من القضية: ماذا يحدث عندما ينشأ الإنسان داخل مجتمع مغلق، ثم يكتشف أن العالم الحقيقي أوسع كثيرًا من الأسوار التي اعتادها؟


القلق الأكبر يتعلق بالأطفال؛ فالطفل لا يتعلم من الكتب وحدها، وإنما من الاحتكاك بالناس المختلفين عنه، ومعرفة الجار، ورؤية العامل والموظف والحرفي، وفهم معنى أن يعيش الإنسان وسط مستويات وثقافات وظروف متعددة. فإذا انحصر عالمه في دائرة اجتماعية متشابهة، فقد يصبح اكتشاف المجتمع الأوسع في مرحلة لاحقة تجربة مفاجئة.


وهنا تبرز قيمة ما عرفه المجتمع المصري طويلًا باسم الجيرة. لم تكن الجيرة مجرد تقارب في العناوين، وإنما علاقة فيها معرفة ومشاركة ومساندة. وهو معنى يتسق مع قوله تعالى: «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا»، ومع تأكيد النبي ﷺ على حق الجار ومكانته: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه».


لكن استعادة هذه الروح داخل المجتمعات الحديثة لا تحتاج إلى شعارات، وإنما إلى تصميم مختلف للحياة نفسها: مساحات مشتركة حقيقية، أنشطة تجمع السكان، مبادرات تطوعية، اهتمام بكبار السن، وفرص للأطفال للتفاعل مع المجتمع خارج دوائرهم المعتادة. وبعبارة أبسط: لا نحتاج إلى إزالة الأسوار، بقدر ما نحتاج إلى فتح الجسور.


وتبدو تجربة طلعت حرب التي أشار إليها رضوان في حديثه ذات دلالة خاصة. فعندما أقام مشروعه الصناعي في المحلة الكبرى، لم ينظر إلى العامل باعتباره عنصرًا في معادلة الإنتاج فقط، وإنما اهتم بمساكن العمال واستقرارهم؛ لأن المشروع الاقتصادي في نظره لا ينفصل عن حياة البشر الذين يقومون عليه.


وهنا درس مهم للعمران المعاصر: المطور لا يبني وحدات سكنية فقط، وإنما يساهم في تشكيل مجتمع كامل. ولذلك لا يكفي أن نقيس نجاح التجمع السكني بجمال مبانيه أو خدماته؛ بل يمكن أن نسأل أيضًا: هل يعرف الجيران بعضهم؟ هل يجد الطفل مساحة للتفاعل؟ هل توجد علاقة بالمجتمع المحيط؟ وهل تساعد البيئة السكنية على بناء شخصية اجتماعية متوازنة؟

الإسلام لم يطلب من الإنسان أن يتخلى عن خصوصيته، لكنه لم يضع الخصوصية في مواجهة المجتمع. قال تعالى: «وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ»، وقال النبي ﷺ: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد».

ومن هنا يمكن أن تكون المعادلة أكثر توازنًا: كمبوند يوفر الأمان والخصوصية، لكنه لا يعزل الإنسان عن محيطه؛ ورفاهية تحسن مستوى الحياة، لكنها لا تلغي معنى الجيرة؛ ومدينة حديثة تحافظ على جودة العمران، دون أن تفقد روح المجتمع.
فالمشكلة ليست في أن نسكن خلف الأسوار، وإنما في أن تصبح الأسوار داخلنا. ويبقى السؤال الأهم: حين نبني للإنسان بيتًا أكثر راحة، هل نبني معه مجتمعًا أكثر إنسانية؟

الجريدة الرسمية