حديث قلب
لقاء وزير الخارجية بالأرمن
تتسم العلاقات المصرية الأرمينية بخصوصية تاريخية عميقة، فقد كانت مصر من أوائل الدول العربية التي اعترفت باستقلال أرمينيا عام 1991، وتم إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين في مارس 1992، وتعززت هذه الشراكة بزيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي لأرمينيا في يناير 2023.
والأرمن المصريون هم جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري ويصل عددهم لحوالي عشرة آلاف نسمة، ويتركزون في القاهرة والاسكندرية.. ومن هنا فليس غريبا أن يستقبل وزير الخارجية بدر عبد العاطي وفدا من المصريين ذي الأصول الأرمينية برئاسة الدكتور أرمين مظلوميان رئيس الهيئة الوطنية الأرمينية في مصر.
وخلال الزيارة، أُتيحت فرصة مميزة للاطلاع على معرض توثيقي أقامته الوزارة حول دور المصريين الأرمن في تاريخ مصر الحديثة؛ معرض لا يقدم تاريخ الجالية الأرمينية من منظورها الخاص فحسب، بل يستعيده من خلال صور ووثائق ومقتنيات مرتبطة مباشرة بمؤسسات الدولة وشخصيات أرمينية أسهمت في مسيرة مصر الحديثة.
وتكتسب هذه الزيارة دلالة خاصة مع مرور 200 عام على بداية العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية، عندما أنشأ محمد علي باشا ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، وأسند إدارته إلى بوغوص بك يوسفيان، والذي أصبح النواة الأولى للعمل الخارجي المنظم في مصر.
فقد تولى بوغوص بك يوسفيان إدارة ديوان التجارة والأمور الإفرنكية عام 1826م، الذي تطور لاحقًا إلى مؤسسة الشؤون الخارجية المصرية، وقد أهدت الجمعية الخيرية الأرمينية تمثال نصفي لبوغوص بك يوسفيان لعرضه في متحف الخارجية المصرية، وهو من عمل الفنان والنحات المصري الارمني المعروف سركيس طوسونيان.
ويوثق المعرض أسماء أرمينية أخرى تولت مواقع بارزة في إدارة الشؤون الخارجية بعد بوغوص بك يوسفيان، من بينها أرتين بك تشراكيان، واستيفان بك ديمرجيان، ونوبار باشا نوباريان، وتيغران دابرو باشا. أما نوبار باشا، فقد تجاوز دوره المجال الدبلوماسي، إذ أصبح عام 1878م أول رئيس لمجلس النظار عند تشكيل أول مجلس وزراء مصري، إلى جانب توليه نظارة الخارجية.
ومن أكثر ما يلفت النظر في المعرض أنه لا يكتفي بعرض الأسماء، بل يقدم وثائق ومقتنيات تمنح هذه الصفحات التاريخية بعدها المادي والإنساني، من بينها صورة بوغوص بك يوسفيان، وتوقيع تيغران دابرو باشا على اتفاق تجاري وملاحي بين مصر وإيطاليا عام 1892م، ووثائق وأختام الجمعية الخيرية الأرمنية العامة في القاهرة، وبراءة اختراع باسم بوغوص نوبار في باريس عام 1898، إلى جانب مراسلات ووثائق مرتبطة بنوبار باشا ومذكراته.
ومن بين الكنوز التي إحتفى بها المعرض، كان إعطاء مكان بارز من أعمال فنان الكاريكاتير الأرميني المصري الشهير ألكسندر صاروخان، أحد أبرز الأسماء التي تركت بصمتها في تاريخ الصحافة والكاريكاتير في مصر. فلم يكن صاروخان مجرد فنان يرسم الكاريكاتير، بل كان شاهدًا بصريًا على عصره؛ عبّر بريشته عن التحولات السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها مصر والعالم، وجعل من الكاريكاتير وسيلة للتعبير والنقد وتوثيق الحياة العامة. تم إهداء الاعمال من قبل عائلة الفنان وحفيدته السيدة سيلفا بلاديان.
وفي هذا السياق، صرح الدكتور أرمين مظلوميان، رئيس الهيئة الوطنية الأرمنية في مصر، عن خصوصية التجربة المصرية الأرمنية، مؤكدًا أن الوجود الأرمني في مصر ليس مجرد فصل من تاريخ جالية، وإنما هو جزء من تاريخ مصر الحديثة ومسيرتها الوطنية.
وقال إن هذه التجربة قامت على الاحترام المتبادل والمواطنة والمشاركة الفاعلة في بناء الوطن؛ فقد استطاع الأرمن الحفاظ على لغتهم وكنائسهم ومدارسهم ومؤسساتهم الثقافية، وفي الوقت نفسه أن يكونوا مصريين كاملين، يشاركون في بناء الدولة ونهضتها.
وأكد مظلوميان أن «المواطنة الحقيقية لا تعني التخلي عن الهوية، كما أن الحفاظ على الهوية لا يعني الانفصال عن الوطن»، مشيرًا إلى أن التجربة المصرية الأرمنية قدمت نموذجًا يجمع بين الاعتزاز بالجذور والوفاء للوطن، وبين الحفاظ على الخصوصية الثقافية والمشاركة الكاملة في المجتمع المصري.
وأضاف مظلوميان أن رؤية هذا التاريخ موثقًا داخل وزارة الخارجية المصرية واطلاق بريد مصري تذكاري بهذه المناسبة حاملًا صورة بوغوص بك يوسفيان تحمل دلالة خاصة، لأن مساهمة شخصيات مثل بوغوص بك يوسفيان ونوبار باشا وأرتين تشركيان واستيفان ديمرجيان وتيغران دابرو باشا أصبحت جزءًا من الذاكرة المؤسسية للدولة المصرية.
وفي كلمته تقدم المطران كريكور اغوسطينوس كوسا أسقف الأرمن الكاثوليك في مصر بخالص التهنئة إلى وزارة الخارجية المصرية بمناسبة مرور مئتي عام على تأسيس العمل المؤسسي للشؤون الخارجية المصرية عام 1826م، متمنيا للوزارة والقائمين عليها دوام النجاح في أداء رسالتها الوطنية والدبلوماسية، وخدمة مصر ومصالحها وتعزيز علاقاتها مع مختلف دول العالم.
وفي نهاية الجولة أهدى رئيس الجمعية الخيرية الأرمينية الدكتور جورج سيمونيان درع الجمعية إلي الوزير الدكتور بدر عبد العاطي. وأخيرا فإن هذا المعرض، بما يحمله من وثائق وصور وأسماء، يمثل أكثر من استعادة للماضي؛ إنه تأكيد على أن صفحات من تاريخ الأرمن في مصر أصبحت جزءًا من الذاكرة الوطنية المصرية الموثقة.
مصر احتضنت الأرمن، والأرمن شاركوا في بناء مصر. تاريخ مشترك، مواطنة، احترام متبادل، وذاكرة تستحق أن تبقى حية. تحيا مصر..
