فيلم عظيم من بطولة "ناموسة"
ليس في عنوان المقال أي مجاز أو سخرية، أنا أعني ما أقول، وسوف أحدثكم عن فيلم قصير كان دور البطولة فيه لـ (بعوضة)، الفيلم عنوانه (نحن بحاجة إلى المساعدات الكونية)، وقد أدهشني أن يحمل فيلم بطلته "بعوضة" هذا العنوان الفصيح الرصين، ولكن هذا هو الفن، ومفارقاته المدهشة، لقد خطفني الفيلم من أول لقطة وحتى نهاية مدته التي تبلغ خمس دقائق وعدة ثواني!
يدخلك الفيلم إلى عالمه مباشرة، عندما نسمع في البداية جملة واحدة تقولها الزوجة لزوجها (متحطش إيدك عليا، مفيش مرة نخرج إلا وتنكد عليا)، وهذه هي جملة الحوار الوحيدة التي ستسمعها، أما بقية أحداث الفيلم فيرويها المخرج بالصورة فقط، دون كلمة واحدة، في خطوة تنتصر للمعنى الحقيقي للسينما كفن بصري في المقام الأول، وهي القاعدة التي يغفل عنها عدد كبير من صناع السينما للأسف!
بعد جملة الزوجة يكشف الفيلم في لقطاته الأولى عن توتر العلاقة بين هذين الزوجين، إلى أن يقع الحدث المحفز، وتظهر بطلة الفيلم، حيث تدخل البعوضة إلى غرفة نوم الزوجين وتمارس هوايتها في الطنين المزعج، ثم تلدغ الزوج وزوجته فيقفز كلاهما من مكانه منزعجا، لتبدأ المواجهة، بمحاولاتهم طرد البعوضة أو قتلها دون جدوى..
وخلال المعركة تتلاقى نظرات الزوجين، أو تتلامس أيديهما دون قصد، وتصفع الزوجة زوجها، في محاولة لقتل البعوضة على وجهه ثم ينفجران في الضحك، وتستمر المحاولات إلى أن تهرب البعوضة بعد أن أذابت الجليد بين الزوجين، وكأن البعوضة تجسد رسولا كونيا جاء ليصلح بينهما!
الفكرة رقيقة، يفهمها المشاهد ويستمتع بها دون كلام، تحكي الصور قصة الزوجين المتخاصمين اللذين تدخل الكون لضخ الدم في علاقتهما، مستخدما كائنا من أضعف مخلوقات الله، بعوضة!
حصل الفيلم على عدة جوائز من مهرجانات دولية كان آخرها جائزة لجنة التحكيم في مهرجان وهران بالجزائر في دورته 12، وهو من بطولة أحمد أبو زيد ومونيكا الفونس، مدير تصوير: باسم سعد الدين، مونتاج: محمود عرابي، وإخراج: أحمد عماد، وقد أتيح مؤخرا للمشاهدة مجانا على يوتيوب.
وسؤالي للسادة المنتجين، أو المسئولين عن الكيانات الإنتاجية الكبرى في مصر، ألا يستحق صناع هذا الفيلم، وفي مقدمتهم المخرج أحمد عماد أن نستمع منهم إلى أفكارهم، ونقرأ بعض مشروعات أعمالهم المؤجلة، والتي أثق أنها كثيرة ومتنوعة ورائعة لأن الجواب كما يقولون يبان من عنوانه؟
لو كنت مكان واحد من هؤلاء كنت سأبادر بالتواصل مع المخرج الموهوب أحمد عماد، وأطلب منه سيناريو لفيلم طويل، فربما قدم لنا مشروعنا يمتعنا كمشاهدين، ويكون في نفس الوقت مؤهلا لتمثيل مصر في مهرجانات عالمية.
لكن ذلك -فيما أظن- لن يحدث، ليظل أنصاف الموهوبين، متربعون على عرش السوق السينمائية والدرامية، وكأننا نكره الموهوبين، ونتعمد التعتيم على المبدعين الحقيقين، ليكون أحمد عماد وغيره من الموهوبين لهم نصيبا من اسم الفيلم، فهم يحتاجون إلى المساعدة الكونية، لكي يدخلوا سوق الفن من أوسع أبوابه، فهم يستحقون ذلك!
