رئيس التحرير
عصام كامل

مصافي البترول الروسية تحت النار.. تكرير الخام يهبط إلى نحو 3.8 ملايين برميل يوميا.. والسوق العالمي يدخل مرحلة جديدة من التوتر.. مصر تستعد بمخزون استراتيجي كبير قبل نهاية 2026

بوتين، فيتو
بوتين، فيتو
18 حجم الخط

دخل سوق النفط العالمي مرحلة جديدة من التوتر لم يعد الخطر فيها مرتبطا                                  فقط بتراجع إنتاج الخام، وإنما أصبح يمتد إلى قدرة المصافي على تحويل النفط إلى بنزين وديزل ووقود طائرات، وهي نقطة شديدة الحساسية بالنسبة للأسواق العالمية، خصوصا مع استمرار الضغوط الجيوسياسية في أكثر من منطقة.

النفط
النفط

ضربات متكررة استهدفت منشآت التكرير الروسية

وتأتي الضربات المتكررة التي تستهدف منشآت التكرير الروسية في مقدمة التطورات التي تفرض نفسها على حسابات سوق الطاقة.

 فقد أشارت وكالة الطاقة الدولية إلى أن هجمات الطائرات المسيرة على المصافي الروسية تصاعدت بصورة كبيرة وأن متوسط تكرير الخام الروسي هبط إلى نحو 3.8 ملايين برميل يوميا، وهو أدنى مستوى في أكثر من 20 عاما، بانخفاض يقارب 30% عن العام السابق. 

كما تراجعت تقديرات إنتاج البنزين بنحو 20% والديزل بنحو 30% مقارنة بمستويات 2025.

استهداف مصافي روسية
استهداف مصافي روسية

تعطل المصفاة لا يعني بالضرورة اختفاء برميل الخام من السوق

ومن جانبها قالت ماجى سليم خبيرة أسواق المال أن  أهمية المشهد تكمن فى أن تعطل المصفاة لا يعني بالضرورة اختفاء برميل الخام من السوق، لكنه يعني أن جزءا من الطاقة التكريرية يتحول إلى طاقة معطلة، وبالتالي ينخفض المعروض من المنتجات البترولية، خصوصا الديزل.

هذا بالفعل ما بدأ يضغط على السوق العالمية، إذ تشير وكالة الطاقة الدولية إلى تراجع صادرات الديزل الروسية، بالتزامن مع انخفاض صادرات الشرق الأوسط، ما أدى إلى تشدد واضح في أسواق المنتجات الوسيطة وارتفاع هوامش تكرير الديزل في الولايات المتحدة وشمال غرب أوروبا إلى مستويات تجاوزت 100 دولار للبرميل خلال سبتمبر.

برنت.. هل تصبح المصافي كلمة السر؟

وتابعت قائلة: بالنسبة لخام برنت، فإن استمرار ضرب المصافي الروسية لا يعني بشكل آلي قفزة بنفس حجم الضرر في سعر الخام، لأن التأثير المباشر يقع أولا على المنتجات المكررة. لكن استمرار الضربات لفترة طويلة قد يغير المعادلة.

فكلما طال خروج طاقات تكريرية روسية من الخدمة، زادت الحاجة إلى نقل الخام إلى مناطق أخرى وتوفير كميات بديلة من البنزين والديزل ووقود الطائرات، ومع اتساع حالة عدم اليقين ترتفع علاوة المخاطر التي يضعها المتعاملون في أسعار النفط.

النفط
النفط

حقيقة انخفاض قدرة روسيا على استهلاك الخام محليا

وأضافت أنه إذا أدى تعطل المصافي إلى انخفاض قدرة روسيا على استهلاك الخام محليا، فقد تظهر كميات إضافية من الخام الروسي تبحث عن أسواق تصدير، وهو عامل يمكن أن يحد من ارتفاع سعر الخام نفسه في بعض الفترات لذلك فإن العلاقة ليست خطية: الأزمة قد تكون أكثر وضوحا في أسعار المنتجات النفطية وهوامش التكرير من سعر برنت نفسه.

قراءة السوق الحالية

وهذه نقطة مهمة في قراءة السوق الحالية، لأن برنت لا يتحرك نتيجة العامل الروسي وحده.

 فالسعر يدور حاليا أيضا تحت تأثير اضطرابات الشرق الأوسط ومسارات الشحن والإمدادات حيث تراجع برنت إلى نحو 102 دولار للبرميل مع تحسن بعض مؤشرات تدفق الإمدادات وتزايد الآمال في خفض التوترات الجيوسياسية.

بوتين
بوتين

سيناريو استمرار الضربات.. النفط أمام اختبار أصعب

وفى ذات السياق قال الدكتور محمد انيس خبير الاقتصاد:  إذا استمرت الهجمات على المصافي الروسية بالوتيرة الحالية، فمن المرجح أن يبقى السوق تحت ضغط مزدوج: نقص في بعض المنتجات المكررة، وارتفاع في تكلفة تأمين ونقل الإمدادات.

والأخطر أن استمرار الضربات قد ترفع مدة الإصلاحات، خاصة إذا تكررت الهجمات على المنشآت نفسها أو طالت وحدات التكرير الأساسية وكالة الطاقة الدولية خفضت بالفعل توقعاتها لمعدل تكرير الخام الروسي إلى متوسط يقارب 4 ملايين برميل يوميا خلال بقية 2026 و2027، في ظل صعوبة استعادة بعض الطاقات المعطلة بسرعة.

وتابع قائلا: في هذا السيناريو، لا يمكن استبعاد تعرض برنت لموجات صعود جديدة، لكن قوة الصعود ستعتمد على سؤال أهم: هل ستظل الضربات الروسية هي الأزمة الرئيسية، أم ستتزامن مع تعطل إمدادات أخرى؟

فإذا بقي الخام متاحا عالميا، فقد يكون الصعود محدودا مقارنة بالقفزات التي تحدث عندما يتراجع إنتاج الخام نفسه. أما إذا تزامنت ضربات المصافي مع اضطرابات في خطوط الأنابيب أو الموانئ أو ممرات الشحن، فإن علاوة المخاطر يمكن أن تتسع بصورة أكبر.

روسيا وأوكرانيا 
روسيا وأوكرانيا 

وماذا لو توقفت الضربات؟

وأشار إلى أنه على الجانب الآخر، توقف الهجمات وعودة المصافي الروسية تدريجيا إلى العمل سيبعثان بإشارة عكسية للسوق.

كما أن عودة الطاقة التكريرية تعني زيادة المعروض من المنتجات النفطية، وتحسن قدرة روسيا على تلبية احتياجاتها المحلية واستعادة جزء من صادراتها، وهو ما قد يخفف الضغط على أسواق الديزل والبنزين ووقود الطائرات.

وفي هذه الحالة، يمكن أن تتراجع علاوة المخاطر الجيوسياسية، خصوصا إذا تزامن وقف الضربات مع تحسن تدفقات النفط من مناطق أخرى.

لكن انخفاض برنت لن يكون مضمونا لمجرد توقف الهجمات على روسيا؛ لأن السوق العالمي حاليا يحمل مخاطر أخرى، وفي مقدمتها اضطرابات الشرق الأوسط وممرات الشحن وبالتالي فإن توقف الضربات الروسية سيكون عاملا ضاغطا على الأسعار، وليس العامل الوحيد المحدد لاتجاهها.

أوروبا.. المشكلة ليست في برميل الخام فقط

واضاف خبير الاقتصاد أن أوروبا تبدو من أكثر المناطق حساسية تجاه هذه التطورات، ليس فقط بسبب أسعار الخام، وإنما بسبب المنتجات النفطية، وعلى رأسها الديزل ووقود الطائرات.

وبالتالي فإن استمرار الضربات الروسية، بالتزامن مع اضطرابات الشرق الأوسط، قد يترجم إلى ارتفاع تكلفة البنزين والديزل للمستهلك الأوروبي، خصوصا أن أوروبا تحتاج إلى استيراد كميات كبيرة من المنتجات المكررة من الأسواق العالمية.

روسيا.. الخسارة لا تقاس فقط بعدد المصافي المتوقفة

وفى ذات السياق أكدت الدكتورة هدي المنشاوى أنه وبالنسبة لروسيا فإن الضرر يمتد إلى أكثر من توقف منشأة أو انخفاض إنتاج البنزين.

كما أن الضربات تضغط على قدرة قطاع التكرير، وتدفع موسكو إلى اتخاذ إجراءات لحماية السوق المحلية، بينما يؤدي انخفاض صادرات المنتجات البترولية إلى فقدان جزء من الإيرادات المرتبطة بها.

كما أن إصلاح وحدات التكرير المتضررة يحتاج إلى وقت ومعدات وخبرات، ما يعني أن استمرار الاستهداف قد يحول الضرر من أزمة مؤقتة إلى مشكلة تشغيلية أطول.

وتشير المنشاوى أنه وفي المقابل، لا تزال روسيا دولة ضخمة في إنتاج وتصدير النفط، وبالتالي فإن التأثير العالمي يتوقف على قدرة موسكو على إعادة توجيه الخام أو المنتجات إلى أسواق أخرى، وعلى مدى قدرة المنتجين الآخرين على سد أي نقص.

النفط فى الشرق الأوسط 
النفط فى الشرق الأوسط 

الشرق الأوسط.. التأثير يصل إلى المنطقة عبر الوقود والشحن

ونوهت على أنه وبالنسبة إلى الشرق الأوسط، فالمعادلة أكثر تعقيدا لأن المنطقة نفسها أصبحت جزءا من أزمة الطاقة العالمية.

حيث أن أي ارتفاع في برنت يرفع تكلفة استيراد الخام والمنتجات النفطية للدول التي تعتمد على الواردات، كما أن اضطراب خطوط الملاحة يرفع تكاليف التأمين والشحن.

وتابعت قائلة: تكشف التطورات الحالية في المنطقة أن استمرار اضطرابات الملاحة يمكن أن يحافظ على علاوة مخاطر مرتفعة حتى مع تراجع سعر الخام في بعض الجلسات. وتشير بيانات حديثة إلى انخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز مقارنة بالمستويات المعتادة، مع استمرار تدفقات النفط ولكن بتكاليف لوجستية أعلى.

مصر تدخل المشهد بـ16 مليون برميل

وفي توقيت شديد الحساسية بالنسبة لأسواق الطاقة، تستعد مصر للمرة الأولى لتكوين مخزون استراتيجي من النفط الخام بنحو 16 مليون برميل قبل نهاية 2026.

حيث تتضمن الاتفاقات توريد نحو 10 ملايين برميل من ليبيا و6 ملايين برميل من العراق، وبدأت مصر بالفعل في استقبال الخام الليبي المخصص للمخزون منذ أغسطس، مع استهداف استكمال الكميات خلال الأشهر المقبلة.

 

16 مليون برميل.. ماذا تعني لمصر في مواجهة صدمات النفط؟

واضافت أن المخزون الاستراتيجي لا يمنع ارتفاع السعر العالمي، لكنه يغير قدرة الدولة على التعامل مع الصدمة.

فإذا ارتفع برنت بسبب اضطراب خارجي، فإن امتلاك خام مخزن مسبقا يمنح معامل التكرير مساحة للتحرك دون الاضطرار إلى شراء كل احتياجاتها في لحظة ارتفاع الأسعار.

 أما إذا استمرت الضغوط لفترة طويلة، فسيصبح التحدي الأساسي هو سرعة تجديد المخزون وتكلفة شراء كميات جديدة، وبالتالي فإن المخزون يمثل أداة لإدارة الصدمة وليس إلغاء تأثيرها.

ونوهت المنشاوى على أنه يمكن قراءة الخطوة المصرية ضمن تحول أكبر في سوق الطاقة العالمي: الدول لم تعد تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره مجرد تأمين برميل النفط، وإنما باعتباره تأمين سلسلة كاملة تبدأ من الخام، وتمر بالنقل والتكرير، وتنتهي بالوقود المتاح للمستهلك.

المشهد في النهاية.. برميل النفط أمام اختبارين

السوق أمام مسارين رئيسيين.

المسار الأول: استمرار الضربات على المصافي الروسية بالتزامن مع اضطرابات الشرق الأوسط، وهو السيناريو الذي يبقي أسواق المنتجات النفطية تحت ضغط، وقد يدفع علاوة المخاطر إلى الارتفاع ويمنح برنت دعما إضافيا، خاصة إذا انتقلت الاضطرابات من المصافي إلى إنتاج الخام أو طرق التصدير.

المسار الثاني: توقف الضربات وعودة المصافي الرمصوسية تدريجيا للعمل، بالتزامن مع تحسن تدفقات النفط العالمية وانحسار المخاطر الجيوسياسية. هنا يصبح الضغط على أسعار المنتجات أقل، وقد تتراجع علاوة المخاطر في برنت، لكن حجم الانخفاض سيظل مرتبطا بباقي التطورات العالمية.

وبين السيناريوهين، تبدو خطوة مصر بتكوين مخزون استراتيجي من 16 مليون برميل ذات أهمية تتجاوز حجم الكمية نفسها؛ لأنها تعكس انتقال أمن الطاقة من مفهوم التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى محاولة بناء هامش أمان قبل أن تتحول اضطرابات الأسواق إلى أزمة إمدادات.

جدير بالذكر النفط اليوم لا يتحرك فقط مع عدد البراميل التي تنتجها الدول وإنما مع قدرة العالم على نقل هذه البراميل وتكريرها وتوفير الوقود الناتج عنها في الوقت المناسب وهذه هي المعادلة التي تجعل كل ضربة لمصفاة روسية وكل اضطراب في ممر ملاحي وكل طن من الوقود يدخل مخازن دولة مستوردة جزءا من قصة واحدة اسمها أمن الطاقة العالمي.

الجريدة الرسمية