كفر الشيخ بعد زيارة رئيس الوزراء.. الصورة الرسمية في مواجهة أسئلة الأهالي
في يوم الزيارة، بدت الصورة مكتملة، مشروعات «حياة كريمة» حاضرة، ومجمع خدمات تكنولوجي يستقبل المواطنين، ومركز طب أسرة يقدم خدماته، ورئيس مجلس الوزراء يتفقد المنشآت ويتابع مستوى التشغيل على أرض الواقع.
لكن بمجرد انتهاء الجولة، بدأت صورة أخرى في الظهور من قلب الشارع، شكاوى من مشروعات يقول أصحابها إنها لم تكتمل، وتساؤلات حول مستوى بعض الخدمات، وحديث عن فجوة بين ما ظهر أمام رئيس الوزراء وما يعيشه بعض المواطنين في حياتهم اليومية.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية:
هل كانت زيارة رئيس الوزراء إلى الجزيرة الخضراء تعكس الواقع الخدمي كاملًا؟ أم أنها أظهرت جزءًا من الصورة فقط؟
مشهد الزيارة.. ماذا رأى رئيس الوزراء؟
في 12 سبتمبر 2026، تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، عددًا من المشروعات في محافظة كفر الشيخ، من بينها المجمع الحكومي التكنولوجي ومركز طب الأسرة بقرية الجزيرة الخضراء التابعة لمركز مطوبس، ضمن مشروعات «حياة كريمة».
وخلال تفقد مجمع الخدمات، أكد مدبولي أن نجاح هذه المراكز لا يُقاس بمجرد إنشاء المبنى، وإنما بسهولة وسرعة حصول المواطن على الخدمة.
أما في مركز طب الأسرة، فتناولت التغطية الرسمية الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين، كما أعلنت المحافظة بعد الزيارة متابعة انتظام العمل بالمركز، مشيرة إلى استفادة 477 مواطنًا من خدماته خلال ثلاثة أيام.
كل ذلك يقدم صورة رسمية واضحة عن مشروعات تم تنفيذها وتشغيلها، لكن التحقيق الصحفي لا يتوقف عند الصورة الرسمية.
بعد انصراف الكاميرات.. ماذا يقول الأهالي؟
في المقابل، تحدث عدد من أبناء الجزيرة الخضراء عن مشكلات يقولون إنها ما زالت قائمة، خصوصًا في ملف الصرف الصحي وبعض الخدمات المرتبطة بالبنية الأساسية.
ويقول عبده محمد، أحد الأهالي، إن مشروع الصرف الصحي بدأ منذ سنوات، لكنه يرى أن هناك أعمالًا لم تكتمل بالصورة التي كان ينتظرها المواطنون.
كما يتحدث عبد الفتاح السيد، عن أعباء مالية تتحملها بعض الأسر بسبب الحاجة إلى نزح خزانات الصرف، مشيرًا إلى تكلفة قال إنها تصل إلى نحو 250 جنيهًا للنقلة الواحدة.
هذه الشهادات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مخالفة، لكنها تفتح ملفًا يمكن حسمه بالأرقام: ما نسبة التنفيذ الفعلية؟ وما الذي تم استلامه؟ وما الذي دخل الخدمة؟ وما الأعمال التي لا تزال متبقية؟
مطوبس بين مشروعات «حياة كريمة» وشكاوى المواطنين.. صرف صحي وخدمات لم تكتمل وتساؤلات حول التشغيل الفعلي للمنشآت
البيانات المنشورة سابقًا عن مشروعات «حياة كريمة» في مركز مطوبس تشير إلى تنفيذ مئات المشروعات في قطاعات متعددة، بينها الصرف الصحي وتحسين مياه الشرب والمدارس والمجمعات الخدمية ومشروعات الشباب والرياضة والاتصالات.
كما أن تقارير سابقة عن الجزيرة الخضراء نفسها تحدثت عن احتياجات تتعلق بالصرف الصحي والطرق والمياه، إلى جانب مشروعات الغاز الطبيعي والفايبر وغيره.
وهنا تظهر نقطة جوهرية في التحقيق: ان نجاح المشروع لا يتوقف عند الإنشاء، فالمواطن لا يستخدم «نسبة إنجاز»، وإنما يستخدم خدمة، والمشروع بالنسبة له إما أن يكون متصلًا ويعمل، أو لا يزال ينتظر، ولهذا فإن التقييم الحقيقي يحتاج إلى مقارنة ثلاثة أرقام في كل مشروع:
ما كان مخططًا ــ ما تم تنفيذه ــ ما تم تشغيله فعليًا.
مركز طب الأسرة.. روايتان تحتاجان إلى مستند
أحد أكثر الملفات إثارة للجدل بعد الزيارة كان مركز طب الأسرة.
فبينما أظهرت التغطية الرسمية تشغيل المركز وتقديم الخدمات الصحية، ظهرت على الجانب الآخر منشورات وشهادات تتحدث عن عدم اكتمال بعض عناصر التشغيل، بل وتضمنت ادعاءات كثيرة من الأهالي بمنطقة الجزيرة الخضراء محل الزيارة بشأن الاستعانة بأشخاص ليمثلوا دور المرضي والأطباء خارج المركز خلال الزيارة.
ومن هنا لا يمكن للتحقيق المهني أن يتبنى أيًا من الروايتين دون تحقق مستقل.
الحسم يحتاج إلى، كشوف العاملين بالمركز، جداول الحضور والانصراف، قوة التشغيل الفعلية، والتخصصات الطبية المتاحة.
سجلات المرضى والمترددين، وبيان يوضح ما إذا تمت الاستعانة بأطقم طبية من منشآت أخرى أثناء الزيارة.
إذا أثبتت المستندات صحة الادعاءات، فهنا توجد واقعة تستحق التحقيق، وإذا أثبتت العكس، فإن ذلك يجب أن يُعلن للرأي العام أيضًا.
الغاز والفايبر.. هل اكتملت الخدمة أم اكتمل المشروع فقط؟
من بين الملفات التي يطرحها الأهالي أيضًا الغاز الطبيعي وخدمات «الفايبر».
وهنا يظهر فارق مهم بين مد خطوط الشبكات وبين وصول الخدمة فعليًا إلى المنازل وتشغيلها بصورة مستقرة.
ولذلك فإن المطلوب ليس مجرد إعلان أن المشروع «تم تنفيذه»، وإنما بيان:
عدد المنازل المستفيدة، ونسبة التوصيل، ونسبة التشغيل، والمناطق التي لم تصل إليها الخدمة، والموعد المحدد لاستكمالها.
الطرق والخدمات.. الوجه الآخر لمطوبس
ولا تتوقف شكاوى المواطنين عند الجزيرة الخضراء، يقول المهندس محمد مشرف، ان نطاق مركز مطوبس، لايوجد به طريق مرصوف وان الطرق سيئة للغاية نتيجة أعمال الحفر التي لم تنته منذ سنوات، مطالبا باستكمال الأعمال ورفع كفاءة المناطق التي لم تصل إليها مشروعات التطوير بالصورة المأمولة.
وهذه الشكاوى تحتاج إلى حصر ميداني دقيق، لأن الحديث عن «سوء الخدمات» بصورة عامة لايكفي تحقيق صحفي، لكن
المطلوب هو تحديد الطريق، وتحديد المشروع، وقيمة الأعمال، والجهة المنفذة، ونسبة التنفيذ، وتاريخ الاستلام، وحالة الطريق أو الخدمة حاليًا.
السؤال الأصعب.. ماذا يحدث بعد الزيارة؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم في التحقيق كله.
زيارة رئيس الوزراء يمكن أن تكون بداية للمراجعة، وليس نهاية الملف.
فبعد الزيارة مباشرة أعلنت المحافظة متابعة مركز طب الأسرة، وهو ما يشير إلى محاولة الطمأنة باستمرار المتابعة التشغيلية بعد الجولة، وردا علي الغضب الواسع بين أهالي كفرالشيخ بصفة عامة وأهالي الجزيرة الخضراء خاصة بأن مركز طب الأسرة لم يعمل بكفاءة إلا يوم الزيارة فقط وأنه يعاني عجزا شديدا في الأطباء.
لكن ماذا عن باقي الملفات؟
هل ستتم مراجعة مشروعات الصرف الصحي؟
هل ستُعلن نسب التنفيذ الحقيقية؟
هل ستتم مراجعة جودة الأعمال؟
هل ستُعلن أسباب تأخر أي مشروع؟
وهل سيعرف المواطن موعد التشغيل الكامل للخدمات التي ينتظرها؟
الصورة الكاملة لا يصنعها يوم واحد
الجزيرة الخضراء ومركز مطوبس لا يمكن اختزالهما في صورة واحدة، فالتقارير المنشورة عن مطوبس ترصد مشروعات كبيرة وتحسنًا في قطاعات عديدة، وفي الوقت نفسه تظهر شهادات محلية تتحدث عن احتياجات ومشكلات ما زالت قائمة.
والتعامل المهني مع المشهد لا يكون بنفي الشكاوى لمجرد وجود مشروعات، ولا بإثبات المخالفات لمجرد وجود شكاوى.
الحقيقة تقع في المسافة بين الاثنين، والمسافة لا يملؤها سوى المستند.
عقود المشروعات، ومحاضر الاستلام، ونسب التنفيذ، وبيانات التشغيل، وسجلات العاملين، وتقارير الجودة، وشكاوى المواطنين، والردود الرسمية.
هذه هي الوثائق التي يمكن أن تجيب عن السؤال الذي بقي معلقًا بعد انتهاء زيارة رئيس الوزراء:
هل وصلت «حياة كريمة» إلى المواطن في مطوبس كما خُطط لها على الورق، أم أن بعض المشروعات لا يزال ينتظر اكتمال الحلقة الأخيرة: التشغيل الفعلي والخدمة المستدامة؟
فالاختبار الحقيقي لأي مشروع ليس يوم زيارة المسؤول، الاختبار يبدأ في اليوم التالي للزيارة، عندما تختفي الكاميرات، ويبقى المواطن وحده أمام الخدمة.

