رئيس التحرير
عصام كامل

قم للمعلم وفه التنكيلا.. وأعطه المم!

18 حجم الخط

من أشد المشاعر وطأة على العقل قبل القلب أن تعيش حقبة حقيرة تضطر فيها إلى إعادة تعريف القيم، لا الأشياء، فالأخيرة باقية، تتغير وتتبدل وتقع عليها إضافات لغوية من قبيل السخرية أو تعميق المعاني، أما الأولى وهي القيم فطرأت عليها رياح سامة لم تتوقف حتى هذه اللحظة، وبات الناس في خلاف بشأنها، فالبديهيات صارت موضع جدال، وذلك سوء يريده الله بالمجادلين.. 

المدرس، المعلم، السيد ناظر المدرسة، الأستاذ الجامعي، السيد الأستاذ العميد، الأب في بيته، هذه كلها قيم عليا لم تكن أبدا موضع جدال أو حط من الشأن أو تهوين من القدر اللائق بهم.. 

المعلم أيا كان موقعه، ابتدائي، أو إعدادي أو ثانوي أو جامعي، هو إنسان فاضل مؤهل بالعلم والخلق الكريم معا، لا بد معا، لنقل العلم. المعرفة. والخلق القويم إلى التلاميذ وإلى الطلاب وإلى الأبناء.. في مدرستي الابتدائية بعزبة عقل بالمنصورة، وعمر بن الخطاب في المنصورة أيضا ومدرستي ثمرة الحياة القبطية الإعدادية، ومدرستي الناصرية الثانوية، تعلمت من كل معلمي تلك المراحل التعليمية التوقير والاحترام والرهبة للمعلم.. 

وبيت الشعر: قم للمعلم وفه التبجيلا / كاد المعلم أن يكون رسولا، لم يكن شعرا نردده، بل كان دستور تعامل يومي مع أساتذتنا.. أحببنا منهم من أحببنا، وخفنا منهم من خفنا، وكرهنا منهم القاسي الجامد، لكننا أبدا لم نكتم احترامنا عنهم ولا أظهرنا استخفافا ولا جرؤنا.. منظومة المجتمع كانت مترابطة ومتوافقة على أن المدرس دائما علي حق..  

جاءت أيام وسنوات. صار فيها المدرس سلعة بين الحكومة، وبين أولياء الأمور، فالانتشار السرطاني للدروس الخصوصية ومنظر مد يد الأستاذ لأخذ المظروف به ثمن الحصص من الطالب، أنشأ احساسا سرعان ما تصاعد وقوي لدي الطالب وأهله بأن المدرس يأكل عيشه بفضلهم، وبات الطالب يدرك أنه مصدر رزق المعلم.. 

وتلك جريمة مجتمع بأكمله، ونقيصة نظام تعليمي لم يجعل راتب العلم هو الأعلى ليغنيه عن اللف على البيوت والمراكز التعليمية، وصحيح هنالك أباطرة بين المدرسين بالذات في الثانوية، جبار الرياضة، عملاق التاريخ، وحش اللغة العربية، قاهر الفيزياء، مخترع الكيمياء، شكسبير الانجلش، وغيرهم وغيرهم ممن لوثوا جدران المدارس والبيوت والأسوار بدعاياتهم الفجة هذه، أقول صحيح هناك أمثال هؤلاء، لكن الأغلبية تعاني وتلف علي بيوت لف المضطرة! 

هل توقف القبح والتردي عند التعليم الثانوي وانحدار نظرة الطالب لمعلمه إذ يقبضه المظروف؟ كلا لي خبرة لسبع سنوات وربما أكثر في التدريس بثلاث جامعات خاصة ما بين أكتوبر والعبور والمقطم، ولاحظت التفاوت الهائل في ضبط كل جامعة للعلاقة بين المدرس والأستاذ الدكتور وبين الطالب.. 

بدون تشخيص لأحدها، أحزنني حرص إدارات جامعات خاصة على استرضاء الطالب مقابل المعلم! هذه النوعية من الجامعات الخاصة تعيش على مصروفات الطلاب وهي مبالغ ضخمة، ويعلم ولي الأمر وابنه أنهما مصدر دخل أساسي، بين مصادر اخرى لجامعات، لمرتبات وادارة الجامعة..  

تعلمت ألا أضع ساقا فوق ساق أمام أبي ومعلمي، فكرهت أن أرى الطالب يسدد حذاءه ناحيتي وأنا أعلمه، فذاك فعل جارح، ومهين، ومن واجبي تعليمه الأصول، لكن هذا لم يكن يمثل قيمة للطالب، تراه يتبجح، أو يستظرف، أو يقاطع، أو يتدلل، أو يثرثر جانبا، أو يكرر التأخر.. فإذا رفضت كل هذا، سارع بشكوى ضدك إلى إدارة الكلية وصاحب الجامعة، ويا أستاذ هؤلاء هم المم! المم؟! 

إحدى الجامعات من هذه النوعية أنهت عملي بها لأني شديد مع الطلاب.. الذين هم المم نعم والله هم المم.. يعني لقمة عيش الجامعة الخاصة بمعلميها وإدارييها وملاكها.. قم للمعلم وفه التنكيلا.. للأسف هذا هو الوضع المحزن.. التعليم ليس علما فحسب، بل قيم وأخلاق كريمة. المجتمع فيما يبدو في حالة مخاض، لعل المولود يكون سليما غير مشوه أو متبجح.. 

الجريدة الرسمية