رفعت فياض يكتب: ردًّا على ما طرحته نهاد أبو القمصان.. هل تحريك المياه الراكدة في التعليم يستحق التشكيك؟
لا أحد يستطيع أن يدعي أن التعليم المصري وصل إلى المستوى الذي نتمناه، سواء في التعليم قبل الجامعي أو الجامعي. وما زالت أمامنا تحديات كبيرة تحتاج إلى جهد ووقت واستمرار في الإصلاح.
لكن في المقابل، من الإنصاف أيضًا ألا نتجاهل ما شهدته المنظومة خلال الفترة الأخيرة من محاولات جادة لتحريك المياه الراكدة التي تراكمت على مدى عقود.
ويعز عليَّ أن أختلف مع الناشطة الحقوقية نهاد أبو القمصان، التي أكن لها كل التقدير والاحترام، خاصة أن علاقتي بها ارتبطت لسنوات بعلاقة صداقة قوية جمعتني أيضًا برفيق دربها الراحل الدكتور حافظ أبو سعدة، رحمه الله.
وكنت دائمًا أتابع ما تطرحه نهاد على وسائل التواصل الاجتماعي، وأسعد بما تقوله وتناقشه، سواء في مجال تخصصها أو في القضايا العامة التي تشغل الرأي العام.
لكنني، هذه المرة، شعرت بالحزن وأنا أتابع ما طرحته بشأن واقع التعليم في مصر، ليس اعتراضًا على حقها في النقد وإبداء الرأي، فهذا حق أصيل لكل مواطن، وإنما لأن بعض ما استندت إليه من معلومات ومصادر لم يكن دقيقًا، وبالتالي جاءت بعض استنتاجاتها بعيدة عن الواقع الفعلي لمنظومة التعليم المصرية في الوقت الراهن.
وأقول ذلك من واقع خبرة امتدت لنحو خمسين عامًا عايشت خلالها مسيرة التعليم المصري، وتابعت تفاصيله عن قرب، وكنت متخصصًا في الشأن التعليمي صحفيًا، وتابعت مختلف مراحله وملفاته مع وزراء التربية والتعليم المتعاقبين، بدءًا من الراحل الدكتور مصطفى كمال حلمي وحتى اليوم.
ولست هنا في موقع الدفاع عن وزارة أو وزير، وإنما في موقع من يرى أن من حق الرأي العام أن يعرف الصورة كاملة، وأن يتم التفريق بين النقد الموضوعي والمعلومات التي تحتاج إلى تصحيح.
لم نصل بعد إلى ما نريده.. لكن المياه الراكدة بدأت تتحرك.
لذلك سأعرض كل ما قالته وبالبيانات والأرقام والحقائق سوف أقوم من واقع خبرتي بتوضيح الواقع الحقيقي للتعليم الآن الذي بدأ تحريك المياه الراكدة فيه، ونجحنا في عودة الطالب والمدرس إلى المدرسة، وبدأنا نعالج كل مظاهر القصور التي شابت العملية التعليمية طوال السنوات الطويلة الماضية حتى أطمئن كل أولياء الأمور وكذلك أبنائي الطلاب على مستقبلهم التعليمي فى مختلف مراحلهم الدراسية ـ ليس دفاعا عن أحد بل رصد واقع لاينكره إلا جاحد
ليس بالتهكم
وقد بدأت الأخت نهاد انتقادها بالتهكم على وزير التربية والتعليم لكونه قرر أن تبدأ الدراسة مبكرًا هذا العام بأسبوع واحد فقط مقارنة بالعام الماضي، كأن القضية خاصة بأبنائه هو متهكمة بأنه إذا كان متضايقا من شقاوتهم فليأتي بهم عندها مدة الأسبوع الذي بكر فيه الدراسة عن العام الماضى ـ بل واتبعت تهكمها هذا بانتقادها فى البداية لقرار بدء الدراسة مبكرا في المدارس الحكومية يوم 12 سبتمبر وادعت بأن هذا القرار سيكون له تأثير سلبى على المواطنين وأصحاب المشروعات المرتبطة بموسم الإجازات.
كما انتقدت أيضا المناهج الدراسية من وجهة نظرها لأنها ليست متخصصة فى هذه المناهج ولم تطلع عليها، بل رددت ما قاله البعض لها فقط، بل وأسهبت فى انتقادها وكأنها كذلك من أفضل أساتذة مناهج وطرق تدريس فى مصر، وذلك بالمطالبة بتعليم الطلاب مهارات عملية مثل الإدارة المالية والتواصل، وطالبت بربط التعليم بالتاريخ والجغرافيا والبيئة المصرية، مع تنظيم رحلات مدرسية يتعرفون فيها عمليًا على الصحراء والجبال والهضاب والكثبان الرملية والنباتات الصحراوية.
وفي نهاية كلامها لم تكتفِ بانتقاد وزير التعليم فقط بل انتقدت غياب التنسيق بين الوزارات، متسائلة عن دور اجتماعات مجلس الوزراء الأسبوعية في دراسة تأثير القرارات الحكومية على المواطنين والقطاعات المختلفة.
الصحيح والمغلوط
لكن لتسمح لي نهاد أبو القمصان أن أصحح لها كثيرا من المعلومات المغلوطة فى هذا الشأن ـ ليس لأننى مسئولا بوزارة التربية والتعليم أو أى وزارة أخرى ـ بل من واقع تخصص الدقيقة كصحفى طوال عشرات السنين قضيتها متخصص فى مجال التعليم ومتابعا لكل صغيرة وكبيرة فيه مع كل وزراء التعليم فى مصر بدءا من الراحل د. مصطفى كمال حلمي وحتى الآن.
وأؤكد لها أن الفارق الذي انتفضت من أجله بين موعد بدء العام الدراسي الجديد وموعد بدء الدراسة في العام الماضي لا يتجاوز أسبوعًا واحدًا فقط، حيث بدأت الدراسة خلال العام الدراسي الماضي يوم 19 سبتمبر، كما أن بدء الدراسة للعام الدراسي 2026 /2027 سيكون تدريجيًا لمختلف الصفوف الدراسية، بما يعكس عدم وجود فارق فعلي كبير في عدد أيام الدراسة مقارنة بالعام الدراسي الماضي.
وقد جاء تقديم موعد بدء العام الدراسي الجديد في إطار حرص وزارة التربية والتعليم على توفير عدد الساعات الدراسية المعتمدة والمقررة لتدريس كل مادة دراسية بمختلف المراحل التعليمية، بما يضمن تحقيق نواتج التعلم المستهدفة ـ وأعتقد أن هذا لا يغضب أي ولي أمر يريد تعليما جيدا لنجله، وأن نعمل على عودة دور المدرسة الذي افتقدنا عشرات السنين الماضية فى التربية والتنشئة والتوجيه والتثقيف وبناء الشخصية ثم التعليم ـ كما أحيل الأخت العزيزة نهال أبو القمصان إلى واقع ما يتم الآن فى الدول العربية المجاورة التى سبقتنا فى بدء الدراسة ولم يكن فى ذهن صانع القرار فيها خراب بيوت من يستفيدون بالأجازة الصيفية ـ كما تقول.
وأؤكد لها أيضا أننا من أقل دول العالم فى مدة العام الدراسى لأنه بعد التبكير بهذا الاسبوع ستكون مدة العام الدراسى 183 يومًا وفى الدول التى تقدم التعليم فيها وتقدمت باهتمامها بالتعليم والتي زرتها بنفسى، وشاهدت ذلك على أرض الواقع ـ يصل العام الدراسى فيها إلى 205 أيام على الأقل - كما أن مدة العام الدراسى إذا زادت أيامه بعض الشيء عن الواقع السابق فسوف يعود هذا بأفضل النتائج على أبنائنا الطلاب ودراستهم للمقررات فى مدة زمنية معقولة تساعدهم على استيعاب هذه المقررات بشكل جيد ـ وأعتقد أن هذا لن يغضب الاخت العزيزة نهاد أبو القمصان.
كما أن الخريطة الزمنية للعام الدراسي الجديد تم الإعلان عنها واعتمادها من المجلس الأعلى للتعليم قبل الجامعي في شهر مارس الماضي، ومن ثم فإن موعد بدء الدراسة لم يتم إعلانه بشكل مفاجئ، كما روجت بعض المنشورات التي استندت إليها السيدة نهاد أبو القمصان.
نعم تم تطوير المناهج
أما بالنسبة للمناهج فأنا أؤكد للأخت العزيزة أن المعلومات التي تم طرحها من جانبها بشأن هذه المناهج وأنها غير مطورة، فإن ما ذكرته لا يعكس الواقع الفعلي لما تتضمنه المناهج المطبقة حاليًا، والتي جرى تطويرها ومراجعتها على مدار الفترة الماضية وقد تابعت ذلك بنفسى من خلال لجان التطوير ذاتها، وتم الإعلان عن تفاصيل هذا التطوير في بيانات رسمية وتناولته مختلف وسائل الإعلام حيث تم تطوير ومراجعة مناهج دراسية عديدة بالتعاون مع الجانب الياباني، إلى جانب الاستعانة بكوكبة من خبراء التعليم ومستشاري المواد الدراسية، بما يضمن تحقيق نواتج التعلم المستهدفة في كل مرحلة دراسية.
وقد قامت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، على مدار عامين، بتطوير 94 منهجًا دراسيًا العام الدراسي الماضي و١٤٨ كتابا مدرسيا قبل بداية العام الدراسي الجديد بما يتواكب مع المعايير العالمية لنظم التعليم، فضلًا عن حصول الوزارة للمرة الأولى على حقوق الملكية الفكرية للمناهج الدراسية، في خطوة تستهدف الحفاظ على الطابع والهوية المصرية للمناهج.
كما أن هذه المناهج المطورة تتضمن خريطة مصر الرسمية، إلى جانب خريطة الوطن العربي، في مختلف الصفوف الدراسية، وأصبحت هذه الخرائط تمثل عنصرًا أساسيًا في عدد من المواد الدراسية، وفي مقدمتها الدراسات الاجتماعية والجغرافيا. كما تتوافر الخرائط التعليمية بصورة أساسية في المدارس بمختلف أنحاء الجمهورية، وهو ما ينفي ما تم تداوله من معلومات غير دقيقة في هذا الشأن.
تدريس مفاهيم الاقتصاد
وفيما يتعلق بما تم تداوله من جانب الأخت العزيزة نهاد أبو القمصان بشأن عدم دراسة الطلاب مفاهيم الاقتصاد فأؤكد لها أن الوزارة كانت قد أعلنت منذ عام عن تدريس مادة الثقافة المالية لطلاب الصف الثاني بكالوريا بهدف تنمية قدرات الطلاب ومهاراتهم في اتخاذ القرارات المالية، وتعريفهم بالمفاهيم الأساسية المرتبطة بالبورصة والشركات الناشئة، بما يعزز وعيهم المالي ويربط ما يتعلمونه بالتطبيقات العملية في حياتهم. كما أعلنت الوزارة عن تقديم حافز للطلاب يتمثل في فتح محفظة استثمارية في البورصة بقيمة 500 جنيه للطالب الذي يجتاز مادة الثقافة المالية، بهدف تشجيع الطلاب على التطبيق العملي للقرارات الاقتصادية والمالية
أما فى مجال تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي والتى تناولته الأخت العزيزة، كأنها شيء ينقص العملية التعليمية فمن الواضح أنها غير متابعة لما تم فى السنة الأولى بالمرحلة الثانوية من بدء تدريس هذه المادة لطلاب الصف الأول الثانوى بدءا من العام الدراسى المنتهى بل وسيتم تدريسها هذا العام أيضا لجميع طلاب التعليم الفنى بكل تخصصاته، وذلك بالتعاون مع الجانب الياباني ومن خلال منصة «كيريو» اليابانية. وقد شهدت التجربة إقبالًا كبيرًا من الطلاب، وأسهمت في إكساب طلاب الصف الأول الثانوي المهارات الأساسية في البرمجة وكتابة الأكواد، مع تحقيق عدد كبير من الطلاب مستويات متقدمة في دراسة المادة.
وفي إطار دعم الطلاب المتميزين في هذا المجال، قامت الوزارة باختيار 10 طلاب متفوقين للسفر إلى اليابان، فضلًا عن توفير فرص تدريب لـ50 طالبًا في شركات دولية، بما يعكس توجه الوزارة نحو ربط العملية التعليمية بالمهارات المستقبلية واحتياجات سوق العمل.
ليس تاريخًا مزورًا
أما بالنسبة لما ادعته من تعليم الطلاب “تاريخًا مزورًا” بالمدارس والادعاء بأن المناهج تصف دخول العثمانيين إلى مصر بأنه «فتح» فأنا أؤكد لها أن هذا الادعاء غير صحيح، فلفظ «فتح العثمانيين لمصر» لم يرد في مناهج الدراسات الاجتماعية، وإنما تتم دراسة الفترة التي خضعت فيها مصر للحكم العثماني ضمن منهج الصف الثالث الإعدادي، ويشير المنهج بوضوح إلى أن هذه الفترة اتسمت بالجمود والتدهور في عدد من جوانب الحياة في مصر؛ وكان من المهم الرجوع إلى النص الفعلي للمناهج الدراسية قبل إطلاق أحكام أو اتهامات بشأن ما يتم تدريسه للطلاب.
أما فيما يتعلق بتدريس مادة التاريخ لطلاب المدارس الدولية فإننى أؤكد للأخت نهاد أبو القمصان أن تدريس مادة التاريخ للطلاب في المدارس الدولية يمثل أحد الثوابت الأساسية في منظومة التعليم المصرية، باعتبار أن دراسة تاريخ الوطن تعد عنصرًا رئيسيًا في بناء وعي الطلاب بتاريخ بلدهم وترسيخ هويتهم الوطنية وقيم الانتماء والولاء للوطن. ومن ثم، فإن إخضاع الطلاب في المدارس الدولية لدراسة تاريخ وطنهم لا يمثل أمرًا استثنائيًّا، وإنما يأتي في إطار حرص الدولة على ضمان حصول جميع الطلاب، بمختلف أنظمة التعليم، على المعارف المرتبطة بتاريخ وطنهم وهويتهم الوطنية.
البرمجة والذكاء الاصطناعي
أما فيما يتعلق بما تم طرحه بشأن عدم اكتساب الطلاب أي مهارات خلال فترة دراستهم في منظومة التعليم قبل الجامعي تتواكب مع متطلبات سوق العمل، فهذا ما يمثل توصيفًا غير دقيق لجهود تطوير المنظومة التعليمية لأن تطوير المناهج الأخت العزيزة نهاد يستهدف بصورة أساسية بناء معارف الطلاب ومهاراتهم بصورة متدرجة، وصولًا إلى امتلاكهم القدرات التي تؤهلهم للالتحاق بالتعليم الجامعي والاستعداد لمتطلبات سوق العمل.ويشمل ذلك تدريس البرمجة والذكاء الاصطناعي، والثقافة المالية، إلى جانب المهارات والمعارف التي تتضمنها المسارات المختلفة لنظام شهادة البكالوريا المصرية، والتي تم اعتمادها من مؤسسة البكالوريا الدولية، مع مشاركة الجانب الياباني في تطوير جانب منها.
ومن هنا فإننى أؤكد للأخت العزيزة ولكل ولى أمر أيضا فإن منظومة التعليم الفني نقلة نوعية خلال الفترة الماضية، من خلال التوسع في إنشاء مدارس التكنولوجيا التطبيقية، التي تقدم مناهج دراسية وفق معايير دولية، إلى جانب التدريب العملي للطلاب بالتعاون مع الشريك الصناعي ـ كما نجحت الوزارة في إبرام شراكات دولية مع عدد من الدول، من بينها إيطاليا وألمانيا، بما يسهم في تطوير منظومة التعليم الفني ورفع جودة مخرجاتها ومنح الطلاب شهادات معتمدة دوليًّا تفتح تفتح لهم آفاقًا أوسع للالتحاق بسوق العمل محليًّا ودوليًّا ـ وهذا موضوع يطول شرحه بعد ذلك لأن تفاصيل تطبيقه تسعدنا جميعا، وتؤكد أننا نسير حاليا على الطريق الصحيح في تطوير التعليم، وأن الأمور لا تحتمل التشكيك أو التهكم، أو أن نمسك معول الهدم لنهدم ماتم بناؤه خلال الفترة القليلة الماضية، ونحن مستمرون فيها لنصل إلى ما ننشده من تعليم جيد في مصر ـ وتحياتى للأخت العزيزة نهاد أبو القمصان.
