عقود الإذعان وخطيئة انسحاب الحكومة
ما يحدث داخل السوق العقارية في مصر ليس مجرد أزمة عادية، بل هو تواطؤ صامت أو انسحاب مريب لدور الدولة الاجتماعي، وكأن الحكومة قد قررت أن تقف على خط التماس، تتفرج من بعيد على صراع غير موازٍ بين شركات تطوير عقاري تمتلك العديد من المحامين، ومواطن بسيط يبحث عن مأوى فتُفرض عليه عقود إذعان تصادر إرادته وتجرد العقد من قدسيته.
فبينما تأتي هيئة الرقابة المالية متأخرة، وبعد توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بمراجعة ما يجرى بالسوق العقارية، لتحذر من لغم «حوالة الحق»، ذلك البند الخبيث الذي يُحوّل المشتري بجرة قلم من عميل لدى مطور إلى مديون لشركة تمويل، يُباع دينه ويُسجل في دفاتر الـ I-Score دون علمه..
تترك الحكومة الساحة برمتها رهينة لشركات تتصرف كأنها دول داخل الدولة. وحين يُقال إن المطور العقاري يحمي نفسه بعقود مطاطية تضع المستهلك في أسفل درك الضعف، نكتشف أن غياب الرقابة الاستباقية هو الجاني الأكبر.
أين الدولة من مراجعة هذه العقود قبل أن تُطبع وتُوقع؟ لماذا يُترك المواطن ليصارع وحيدًا في أروقة المحاكم، بينما المفترض أن تكون حماية الضعفاء هي الوظيفة الأصلية لمن يمسك بزمام السلطة التنفيذية؟
ولا شك أن ترك السوق العقارية عرضة لفوضى الأعذار الاقتصادية وعقود الإذعان هو تخلي صريح عن فلسفة العدالة الاجتماعية. فلا يكفي أبدًا أن تكتفي الجهات الحكومية بالتحذير المتأخر، ولا أن تتقاذف المؤسسات مسؤولية الرقابة، بينما المواطن يُعصر بين مطرقة أقساط ينوء بها العاتق وسندان تعاقدات تخلو من أي قدر من العدالة أو التوازن.
إن عجز الحكومة عن فرض نموذج عقد متوازن يراجع ويعتمد سلفًا، يعني بوضوح أنها تركت الساحة تدار بقانون الأقوى. فحين تتخلى الحكومة عن دورها الأصيل كحكم عادل بين القوي والضعيف، فإنها لا تواجه أزمة عقارات فحسب، بل تهز الثقة في أساس العقد الاجتماعي بأسره.
وهنا لابد من التأكيد أن الأمن العقاري هو جزء لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي، وتركه رهينة لأطماع المطورين وفوضى السوق هو خطيئة سياسية واقتصادية للحكومة لا ترجى عواقبها.
آن الأوان لكي تتدخل الدولة بصورة رادعة وتنفذ توجيهات الرئيس، لا عبر التحذيرات الخجولة، بل عبر هيئة وطنية مستقلة تراجع كل عقد عقاري قبل أن يُطرح في السوق، لتقول لمن يظنون أن الوطن سوق مفتوحة: إن كرامة المواطن وحقّه في العيش الآمن خط أحمر لا مساومة عليه.
