رئيس التحرير
عصام كامل

الحكاية مش حكاية منتج، قصة أهالي إمياي بالقليوبية مع أقفاص النخيل والكفاح لعدم اندثارها (فيديو)

قرية امياي طوخ تقاوم
قرية امياي طوخ تقاوم الصناعة، فيتو
18 حجم الخط

على أطراف قرية إمياي التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، يبدو المشهد  مختلفا عن أي قرية أخرى أصوات الأدوات تتداخل مع حركة أياد اعتادت منذ سنوات طويلة التعامل مع الجريد، بينما تتراص الأقفاص المصنوعة من الخامات الطبيعية أمام الورش، شاهدة على مهنة قاومت تغير الزمن ودخول البلاستيك إلى الأسواق أصبحت يهددها.

أقفاص الجريد تقاوم الزمن وتحرس مهنة الأجيال في إمياي بالقليوبية 

هنا، لا تتصنع الأقفاص باعتبارها مجرد منتجات فقط، لكنها حرفة توارثتها الأجيال، وأصبحت جزءًا من هوية القرية التي اشتهرت على نطاق واسع بصناعة الأقفاص بمختلف أشكالها واستخداماتها على مستوى الجمهورية وأصبحت براندًا مسجلًا باسمها.

يقول الحاج مجدي، البالغ من العمر نحو 60 عامًا، إن صناعة الأقفاص تمثل مصدر رزق أساسيًّا لعدد كبير من أبناء القرية، مؤكدًا أن قرية إمياي ظلت لسنوات مرتبطة بهذه الحرفة، حتى إن الورش تنتشر في مناطق مختلفة منها، ويعمل فيها عدد كبير من الأهالي.

ويضيف أن الجريد المستخدم في صناعة الأقفاص يأتي من مناطق مختلفة، بينها القرى المجاورة والصعيد والجيزة، قبل أن تبدأ رحلة تحويله من خامة طبيعية إلى قفص جاهز للاستخدام.

 

انتشار الأقفاص البلاستيكية في السنوات الأخيرة يهدد أهالي إمياي

ورغم انتشار الأقفاص البلاستيكية، خاصة في السنوات الأخيرة، فإن أبناء المهنة يؤكدون أن قفص الجريد ما زال يحتفظ بمزايا يصعب تجاهلها؛ فهو مصنوع من خامة طبيعية، وأكثر توافقًا مع البيئة، كما أن له استخدامات متعددة، ولا يزال يحتفظ بمكانته لدى فئات من التجار والمزارعين والمواطنين الذين يفضلون المنتج التقليدي.

داخل الورش، لا توجد مهمة واحدة يقوم بها شخص واحد، وإنما سلسلة من الأعمال يتقاسمها «الصنايعية» تبدأ الرحلة بالجريد، ثم تنظيفه وتجهيزه، قبل أن تنتقل الخامة إلى مرحلة التصنيع، حيث تتشكل الأقفاص وفق المقاسات والاستخدامات المطلوبة.

 

إمياي..لكل ورشة تخصصها في صناعة الأقفاص 

ويكشف أحد العاملين بقرية إمياي أن لكل ورشة تخصصها تقريبا فهناك من يصنع أقفاص الخبز، وأخرى تتخصص في أقفاص الدواجن، بينما تنتج ورش أخرى أقفاص الطماطم والبرتقال، إلى جانب منتجات مختلفة مثل الكراسي والترابيزات المصنوعة من الجريد.

وتختلف المقاسات أيضًا بحسب الاستخدام، إذ تُصنع أقفاص بمقاسات تبدأ من 44 و45 وتصل إلى 49، بينما تراجعت بعض الأنواع أمام منافسة البلاستيك، ومن بينها أقفاص البرتقال، في حين لا تزال أقفاص الطماطم من المنتجات التي تحتفظ بحضورها في السوق.

لكن التحدي الأكبر الذي تواجهه الحرفة لم يعد المنافسة مع البلاستيك وحدها، وإنما الخوف من انقطاعها بين الأجيال.

فأصحاب الورش الذين قضوا سنوات طويلة في المهنة يدركون أن استمرارها يحتاج إلى جيل جديد يتعلمها ويحافظ عليها، إلا أن بعضهم يرى أن أبناء الجيل الجديد أقل صبرًا على العمل اليدوي، وأكثر ميلًا إلى المهن الحديثة، وهو ما يهدد مستقبل حرفة ظلت لعقود مصدر رزق لعدد كبير من الأسر.

ويقول أحد أبناء المهنة إن صناعة الأقفاص «كانت سندًا لأسر كثيرة»، وإن العامل فيها يستطيع أن يتعلم المهنة تدريجيًا حتى يصبح صاحب حرفة، لكن المشكلة أن الشباب لم يعودوا يرون في العمل اليدوي نفس القيمة التي كان يراها آباؤهم وأجدادهم.

وفي إمياي، لا تبدو معركة الأقفاص ضد البلاستيك مجرد منافسة تجارية، بل مواجهة أوسع بين مهنة تقليدية تحاول البقاء وبين زمن تتغير فيه أدوات الإنتاج بسرعة.

ومع ذلك، لا تزال أيادي الصنايعية تتحرك داخل الورش، من الجريدة الأولى إلى القفص المكتمل، وكأنها تقول إن بعض المهن لا تختفي بسهولة قد تتراجع، وقد تتغير استخداماتها، لكنها تظل قادرة على المقاومة طالما بقي من يؤمن بأن الحرفة ليست مجرد وسيلة لكسب الرزق، وإنما جزء من ذاكرة المكان وهوية أهله.

الجريدة الرسمية