مصانع الكراهية الافتراضية
في كل مرة أفتح فيها فيسبوك أو إكس أو يوتيوب، ينتابني السؤال ذاته هل يكره العرب مصر حقا؟ أم أن هناك من يريد لنا جميعا أن نصدق ذلك؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة واحد من أخطر الأسئلة التي صنعتها مواقع التواصل الاجتماعي، لأن ما نراه على الشاشات ليس بالضرورة ما يجري على الأرض، وما يتصدر الترند ليس دائما صوت الشعوب، بل قد يكون صوت عشرات أو مئات الحسابات التي تعرف تماما كيف تدفع الغضب إلى الانتشار بسرعة الضوء.
تبدأ القصة غالبا بحساب مجهول. لا اسم حقيقيا، ولا صورة حقيقية، ولا تاريخا معروفا، يكتب منشورا أو يصنع مقطعا قصيرا مليئا بالإهانة والسخرية. يصف المصريين باوصاف لا تليق، ثم يتطور الأمر إلى اتهامات أكثر غرابة، فيزعم أن المصريين الحاليين ليسوا أهل مصر الحقيقيين، وأن بناة الحضارة اختفوا، وأن من يعيشون اليوم مجرد بقايا هجرات احتلت الأرض وطردت أصحابها.
أكاذيب لا تصمد أمام صفحة واحدة من كتاب تاريخ، لكنها على مواقع التواصل لا تحتاج إلى دليل ويكفي أن تكون مستفزة حتى تجد آلاف المشاركات وعشرات الآلاف من التعليقات.
المؤسف أن بعض المصريين يردون بالإهانة نفسها، فتتحول المعركة إلى مباراة في تبادل الشتائم، بينما يجلس صاحب الحساب المجهول يشاهد النار التي أشعلها تكبر دون أن يعرفه أحد.
ليس المقصود هنا تبرئة كل مستخدم فهناك بالفعل من يكتب بدافع الكراهية أو التعصب أو الجهل، لكن من الخطأ أن نعتبر هؤلاء ممثلين لشعوب كاملة فمن يعرف السودان يعرف كم يحمل السودانيون من محبة لمصر، ومن عاش في الخليج يعرف حجم التقدير للمصريين، ومن زار المغرب العربي يعرف أن ما يجمع الشعوب أكبر كثيرا مما تفرقه منشورات عابرة.
على أرض الواقع، المصري يعمل ويعيش ويتزوج ويصادق ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم في كل بلد عربي. لا يسأله أحد عن منشور كتبه مجهول على منصة إلكترونية. ولا تتحكم التغريدة في العلاقات الإنسانية التي بنتها عقود من التاريخ والمصالح والدم والثقافة.
أما على الإنترنت، فالأمر مختلف تماما. هناك خوارزميات لا تكافئ العقل، بل تكافئ الاستفزاز.. المنشور الهادئ لا ينتشر، أما الشتيمة فتطير من هاتف إلى هاتف كأنها فيروس وكلما ازداد الغضب، زادت المشاهدات، وكلما زادت المشاهدات، اعتقد الناس أن هذا هو الرأي العام.. وهنا تكمن الخطورة.
لا أستبعد أبدا أن تستغل جهات معادية هذه البيئة الرقمية لتأجيج الخلافات بين الشعوب العربية عبر شبكات من الحسابات الوهمية أو الحملات المنسقة، فهذا الأسلوب أصبح معروفا في الحروب المعلوماتية الحديثة، لكن الجزم بأن كل حملة تقف وراءها جهة بعينها يحتاج إلى أدلة لا إلى الظنون. فالنتيجة في الحالتين واحدة شعوب تتخاصم بينما المستفيد الحقيقي يبقى بعيدا عن الأنظار.
إن أخطر ما يحدث ليس الشتيمة نفسها، بل أن نبدأ في تصديقها وأن يقتنع المصري بأن كل العرب يكرهونه، ويقتنع العربي بأن كل المصريين يتعالون عليه.. عندها فقط تكون المعركة قد حققت هدفها، دون أن تطلق رصاصة واحدة.
مصر أكبر من مجرد دولة حتى تختزلها منشورات ساخرة، كما أن أشقاءها العرب أكبر من أن يمثلهم حساب مجهول أو وسم عابر، العلاقات بين الشعوب لا تبنى بالتعليقات بل بالتاريخ ولا تهدمها تغريدة مهما حصدت من الإعجابات.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن سؤال هل يكره العرب مصر؟ ونسأل السؤال الأهم من المستفيد من أن يظن العرب أنهم يكرهون مصر، وأن يظن المصريون أنهم مكروهون من العرب؟ عندما نعرف إجابة هذا السؤال، سنفهم أن المعركة الحقيقية ليست بين الشعوب، بل على عقولها.
