رئيس التحرير
عصام كامل

من نيويورك إلى ميشيجان

هل يستثمر العرب تغير المزاج الأمريكي تجاه إسرائيل؟

18 حجم الخط

هل نحن أمام مجرد انتصارين انتخابيين محليين، أم أمام مؤشرات لتحول أعمق داخل المجتمع الأمريكي؟ قد يكون من المبكر القول إن الولايات المتحدة غيّرت بوصلتها تجاه إسرائيل، لكن من الخطأ أيضًا تجاهل إشارات تتكرر في أكثر من ولاية، وعلى أكثر من مستوى. 

 

ففوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، ثم فوز الطبيب المصري الأصل عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، لا يمكن عزلهما عن موجة أوسع من التحولات التي يشهدها المجتمع الأمريكي منذ الحرب في غزة.


صحيح أن لكل انتخابات ظروفها المحلية، وأن السياسة الأمريكية ما زالت تنظر إلى إسرائيل بوصفها حليفًا استراتيجيًا، لكن الصحيح أيضًا أن ما كان يُعد قبل سنوات قليلة من المحرمات السياسية أصبح اليوم موضوعًا للنقاش داخل الجامعات، ووسائل الإعلام، وأروقة الحزب الديمقراطي، وحتى في الحملات الانتخابية. 

لقد أصبح الحديث عن القانون الدولي، وحقوق الإنسان، وربط المساعدات العسكرية بمعايير قانونية، جزءًا من الحوار العام، بعدما كان هامشيًا.


وهنا ينبغي أن يتوقف العقل العربي أمام سؤال مختلف: هل القضية اليوم هي أن أمريكا تغيرت، أم أن المجتمع الأمريكي أصبح أكثر استعدادًا للاستماع إلى رواية أخرى؟


لقد كشفت الحرب في غزة أن الصورة لم تعد تُصنع حصرًا في غرف الأخبار التقليدية. ملايين الأمريكيين تابعوا الأحداث مباشرة عبر هواتفهم، وشاهدوا روايات متعددة، وبدأ كثير منهم يطرح أسئلة لم تكن مطروحة من قبل. لا يعني ذلك أنهم أصبحوا جميعًا مؤيدين للفلسطينيين، لكنه يعني أن مساحة النقاش اتسعت، وأن احتكار السردية لم يعد كما كان.


فهل يدرك العرب قيمة هذه اللحظة؟ وهل يكفي أن نفرح بفوز مرشح من أصل عربي، ثم نعود إلى مقاعد المتفرجين؟ أم أن الواجب هو تحويل هذه اللحظة إلى مشروع طويل النفس، يخاطب المجتمع الأمريكي بلغته، ويقدم القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عدالة وحقوق إنسان وقانون دولي، لا باعتبارها صراعًا دينيًا أو عرقيًا؟
 

أليس من اللافت أن الجامعات الأمريكية، التي خرجت منها أكبر موجة تضامن مع الفلسطينيين، تضم آلاف الباحثين والطلاب العرب، ومع ذلك لا تزال مساهمة المؤسسات العربية في صناعة المعرفة، وتمويل الدراسات، ودعم مراكز الأبحاث، محدودة إذا ما قورنت بحجم التحدي؟


وأليس من اللافت أيضًا أن كثيرًا من الشباب الأمريكي أصبح أكثر استعدادًا لسماع الرواية العربية، بينما لا يزال الخطاب العربي موجهًا في معظمه إلى العرب أنفسهم، لا إلى الرأي العام الغربي؟


لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن السياسة الأمريكية لا تتشكل في البيت الأبيض وحده، وإنما تبدأ من الجامعة، ومركز الدراسات، والصحيفة، ومنصة التواصل، والانتخابات المحلية، والعمل المجتمعي، ثم تصل في النهاية إلى الكونجرس والإدارة الأمريكية. ومن لا يكون حاضرًا في المراحل الأولى، يصعب عليه التأثير في القرار النهائي.


إن فوز عبد الرحمن السيد، وقبله صعود شخصيات أخرى من خلفيات عربية وإسلامية، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره انتصارًا عرقيًا، بل دليلًا على أن الاندماج الإيجابي والعمل المؤسسي قادران على صناعة تأثير حقيقي داخل النظام السياسي الأمريكي.

كما أن نجاح مرشحين يتبنون مواقف أكثر نقدًا للسياسات الإسرائيلية يعكس، في جانب منه، تغيرًا في أولويات شريحة من الناخبين، لا سيما الشباب، دون أن يعني ذلك تحولًا كاملًا في الموقف الأمريكي.
وهنا يفرض المستقبل أسئلته:


ماذا لو أنشأت الدول العربية، ومعها رجال الأعمال العرب، صناديق لدعم الأبحاث والدراسات الخاصة بالشرق الأوسط داخل الجامعات الأمريكية؟ وماذا لو استثمرت في إعداد مئات الباحثين والإعلاميين والمحامين والسياسيين الشباب القادرين على مخاطبة المجتمع الأمريكي بلغته، لا بلغتنا؟


وماذا لو انتقلت من سياسة الدفاع عن النفس إلى سياسة بناء السردية؟ وماذا لو أصبحت الرواية العربية حاضرة في كل جامعة، وكل مركز بحث، وكل منصة إعلامية، بالحجة والوثيقة واللغة التي يفهمها الأمريكي؟


ربما لا يؤدي ذلك إلى تحويل واشنطن بين ليلة وضحاها إلى مؤيد للموقف العربي، فهذا استنتاج لا تسنده الوقائع. لكنه قد يسهم في بناء رأي عام أكثر تنوعًا، ويزيد من فرص أن تكون السياسات الأمريكية أكثر توازنًا، أو على الأقل أقل انحيازًا، وهو هدف له أثر سياسي واستراتيجي كبير.

لقد علّمنا التاريخ أن الأمم لا تنتصر فقط بما تملكه من قوة، بل بما تملكه من قدرة على كسب العقول. وإذا كانت السنوات الأخيرة قد أثبتت شيئًا، فهو أن العقول الأمريكية ليست مغلقة كما كان يُظن، وإنما تبحث عن خطاب موثوق، ولغة هادئة، وحجج قابلة للإقناع.

فهل يملك العرب مشروعًا يخاطب تلك العقول؟ أم أنهم سيكتفون، كالعادة، بالاحتفاء بالمؤشرات ثم يتركون الفرصة تمر حتى تصبح مجرد ذكرى سياسية أخرى؟

الجريدة الرسمية