الظلم.. حين يهدم الإنسان بيته!
العدل ليس شعارًا ترفعه الدول فحسب، بل عبادة يتقرب بها الإنسان إلى ربه، تبدأ من البيت، ثم العمل، ثم المدرسة، ثم المحكمة، ثم كل موضع يكون فيه الإنسان قادرًا على إنصاف غيره. وإذا كانت جداتنا قد لخَّصن حكمة العمر في قولهن: "الظلم لو ملقاش حد يقعد في الحيطان"، فإن القرآن والسنة أكدا المعنى نفسه: أن الظلم دين، وأن الدَّيَّان لا يضيع عنده حق، وأن من زرع ظلمًا فلن يحصد إلا ندمًا، في الدنيا قبل الآخرة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227].
ليس أخطر على المجتمعات من الظلم، فهو لا يهدم بيتًا واحدًا، بل يهدم الثقة بين الناس، ويزرع الأحقاد في القلوب، ويفسد العلاقات، ويجعل القوي يزداد بطشًا والضعيف يزداد قهرًا. وإذا كانت الأمم تُبنى بالعدل، فإنها لا تسقط إلا حين يصبح الظلم أمرًا مألوفًا، أو حين يسكت الناس عنه، أو حين يبررونه لأنفسهم.
ولعل من أبلغ ما قيل في هذا المعنى ما رواه فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، عن جدات المصريين، إذ يقول: "جداتنا كن يقلن: الظلم لو ملقاش حد يقعد في الحيطان". ثم يشرح هذا المثل الشعبي العميق بقوله: إن معنى ذلك أن الظلم لا يضيع، فإن لم يُصب الظالم نفسه، لحق أبناءه أو بيته أو من يحب، لأن سنن الله لا تحابي أحدًا. إنها حكمة شعبية وافقت سنة ربانية، فالجزاء من جنس العمل، والله سبحانه يمهل ولا يهمل.
ولذلك كان رسول الله ﷺ يكثر من الاستعاذة من الظلم في دعائه، ومن ذلك قوله: «اللهم إني أعوذ بك من أن أَظْلِم أو أُظْلَم». وكأنه يلفت أنظارنا إلى أن الخطر ليس في أن يقع الظلم علينا فحسب، بل في أن نصبح نحن من يمارسه، ولو بكلمة أو توقيع أو شهادة زور أو سكوت عن حق.
بل إن القرآن الكريم جعل الظلم سببًا للهلاك، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]، وقال سبحانه في الحديث القدسي الذي رواه النبي ﷺ عن ربه: «يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا».
فهل يتوقف من يأكل ميراث أخته أو أخيه لحظة ليسأل نفسه: بأي حق أقف بين إنسان ورزقه الذي قسمه الله له؟ وكيف سأقف بين يدي الله إذا جاء المظلوم يحمل حقي يوم القيامة؟ وهل يظن أن توقيعًا على عقد، أو حيلة قانونية، أو ضغطًا اجتماعيًا، يمكن أن يغير حكم الله في الميراث؟
وهل يفكر مدير يحرم موظفًا مجتهدًا من حقه، أو يمنح الترقية لقريب أو صاحب مصلحة، أنه ربما يفتح على نفسه بابًا من دعوات المظلوم لا يغلق؟ ألم يسمع قول النبي ﷺ: «اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب»؟
وهل يدرك من يغش في امتحان، أو يساعد غيره على الغش، أو يظلم طالبًا في تصحيح أو تقييم، أنه لا يسرق درجات فحسب، وإنما يسرق مستقبلًا، ويهدم مبدأ تكافؤ الفرص، ويضع غير الأكفاء في أماكن يستحقها غيرهم؟ وأي مجتمع ينتظر الخير إذا أصبح الغش طريقًا للنجاح، والعدل استثناءً؟
وهل تأمل جار يؤذي جاره، أو قريب يقطع رحمه، أو زوج يهين زوجته، أو أب يميز بين أبنائه، أو ابن يعق والديه، أن كل ذلك يدخل في أبواب الظلم؟ وهل يظن أن الظلم لا يكون إلا بالسيف أو السجن؟
إن الكلمة قد تكون ظلمًا، والنظرة قد تكون ظلمًا، والصمت عن الحق قد يكون ظلمًا، كما أن استغلال النفوذ، أو التلاعب بالقوانين، أو الاستقواء بالسلطة، كلها صور تتبدل أشكالها ويبقى جوهرها واحدًا.
ولذلك كان السلف يقولون: "ما من ذنبٍ أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخره له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم".. وقد قال رسول الله ﷺ: «من أعان على خصومة بظلم، أو أعان على ظلم، لم يزل في سخط الله حتى ينزع». وجاء في الأثر أن من أعان ظالمًا سلطه الله عليه؛ لأن من رضي بالظلم، أو أعان عليه، أو صفق له، قد فتح له بابًا سيعود عليه يومًا.
والعجيب أن الظالم كثيرًا ما يظن نفسه منتصرًا، لأنه يملك المال، أو المنصب، أو النفوذ، لكنه ينسى أن الله سبحانه قال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42]. ويغفل عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42].
ومن أخطر أوهام الظالم أنه يظن أن الزمن يطوي الحقوق، بينما الحقيقة أن الحقوق لا تموت عند الله. فقد يعجز المظلوم عن أخذ حقه في الدنيا، لكنه لن يعجز عن الوقوف بين يدي الحكم العدل يوم القيامة، يوم لا سلطان إلا لله، ولا محاماة إلا بالحق، ولا وساطة إلا بالعمل الصالح.
فإذا كان الظالم يريد النجاة، فما الطريق؟ الطريق واضح لا لبس فيه: أن يقلع عن ظلمه فورًا، وأن يرد الحقوق إلى أهلها كاملة غير منقوصة، وأن يطلب العفو ممن أساء إليهم، وأن يكثر من التوبة والاستغفار والعمل الصالح. فحقوق العباد لا تسقط بكثرة الصلاة ولا بطول الصيام إذا بقيت في أعناق الناس مظالم لم تُرد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرقه كل إنسان على قلبه قبل أن ينام: هل ظلمت أحدًا اليوم بكلمة؟ أو بنظرة؟ أو بقرار؟ أو بحرمانه من حقه؟ وهل أرضى أن أقف بين يدي الله وقد حمل هذا الإنسان مظلمته على كتفي؟ وهل أطيق أن أرى حسناتي تُنقل إليه، ثم إذا فنيت حسناتي طُرحت سيئاته عليّ كما أخبر النبي ﷺ في حديث المفلس؟
