انقلاب الصحافة القومية (1)
لا تُقاس قوة الصحافة بعدد ما تنشره من أخبار، وإنما بقدرتها على الحفاظ على ثقة جمهورها في أحلك الظروف. فإذا اهتزت هذه الثقة، لم يعد الحديث عن أزمة أفراد أو مؤسسات، بل عن أزمة مهنة بأكملها، لأن الصحافة في النهاية ليست مجرد ناقل للأحداث، وإنما شاهد عليها وصانع لجزء من الوعي العام.
وقد شهدت مصر عقب أحداث يناير واحدة من أكثر الفترات اضطرابا في تاريخ الصحافة القومية، حيث تداخلت السياسة بالمهنة، واختلطت الحسابات الشخصية بالاعتبارات الوطنية، وانتهى الأمر إلى تغييرات واسعة لم تعرفها المؤسسات الصحفية من قبل.
وفي هذا السياق يقدم الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب شهادة توثق تلك اللحظات بما تحمله من أسماء ووقائع وأحداث، وهي شهادة تكتسب أهميتها من أنها صادرة عن أحد شهود المرحلة.
زميلنا الكاتب الصحفي عبدالقادر شهيب تناول في كتابه "صحافتنا والسنوات الصعبة" عددا من المعلومات يجب ألا تمر مرور الكرام فالتاريخ لا يسقط بالتقادم.. يقول:
“خلال أحداث يناير كان هناك أكثر من لافتة مرفوعة في ميدان التحرير تطالب بالتخلص من عدد من القيادات الصحفية بالأسماء، وتم أيضا جمع توقيعات مائة صحفي على بيان يعلنون فيه براءتهم من التعامل مع المسئولين في المؤسسات الصحفية القومية من أعضاء لجنة السياسات سيئة السمعة، كما وصفها البيان، أو ارتبطوا بمبارك أو أحد أفراد عائلته أو أحد كوادر الحزب الوطني الذين أفسدوا الحياة السياسية..
ثم طالبوا بعزل هؤلاء من مناصبهم وكان من الموقعين أنور الهواري وأحمد موسى ومنى رجب وعبد العظيم الباسل، وعبد المحسن سلامة وجمال زايدة وعبدالعظيم درويش وعمرو عبدالسميع، وهالة مصطفى وسلفيا النقادي وإيمان أنور وخالد بكير ومحمد بكير، والسيد النجار وياسر رزق وحمدي رزق وفوزي إبراهيم، ومنى نشأت وحسن الرشيدي ومحمد عبدالسلام وأفكار الخرادلي وعبدالعاطي محمد.
والمثير أن الموقعين على هذا البيان كان بينهم من كانوا أعضاء في لجنة السياسات والحزب الوطني ولكنه تحول الضرورة الذي أصاب سياسيين وإعلاميين ومثقفين وصحفيين في هذه الفترة بشكل لافت، كما تم منع بعض القيادات الصحفية من دخول مكاتبهم وممارسة أعمالهم، بل إن البعض تعرض للطرد من مؤسسته وبشكل مهين..
خاصة مؤسسة روزاليوسف سجلتها فيديوهات يتم استدعاؤها بين الحين والآخر، والأكثر من ذلك كاد الزميل عبدالله كمال يتعرض لهجوم عليه من بعض العاملين بروزاليوسف وهو جالس بمقهى بالقرب من مبنى روز اليوسف، وأنقذه اتصال تليفوني يحمل تحذيرا تلقاه قبل دقائق من وصول المهاجمين له، الذين كانوا قد بيتوا النية للاعتداء عليه..
وكان ذلك مفهوما في ظل عدم رضاء الرأي العام تراكم زمنيا على الأداء المهني لهذه القيادات الصحفية، واتخذ شكل التهكم على ما تكتبه وتنشره وزاد أكثر عدم الرضا بسبب طريقة التناول الصحفي لما حدث منذ 25 من يناير 2011، حيث كان هناك تجاهل مثير للاستفزاز لما يحدث والتقليل من شأنه وحجمه..
واتهام المشاركين في اعتصام التحرير بأنهم إما إخوان أو مجموعة من مثيري الشغب، رغم أن مبارك نفسه الذي انتفض الناس ضده وصف شباب التحرير بأنهم أصحاب مطالب مشروعة.
"وهكذا كان حال صحافتنا وإعلامنا"، وفي ظل هذا الجو كان التغيير لا مفر منه لقيادات الصحافة القومية، لكن المثير أن هؤلاء القيادات كانوا متمسكين لأقصى مدى بالبقاء في مناصبهم، لا يريدون التخلي عنها، رغم أنهم قد شاهدوا أن رئيس الجمهورية قد تخلى عن منصبه عندما وجد أنه لا مفر من ذلك.
وأذكر -والكلام على لسان شهيب- أن الفريق أحمد شفيق رئيس الوزراء حينذاك قبل أن يجري تعديلا لحكومته احتواء للرأي العام، أن دعانا للقاء ضم القيادات الإعلامية والصحفية القومية والحزبية والمعارضة، وفيه تحدث الزميل على هاشم رئيس مجلس إدارة الجمهورية مطالبًا قيادات الصحافة القومية بالمبادرة بتقديم استقالتهم (كما فعلت أنا وهاشم)..
إيمانا منا بأن استقرار الوطن أهم من أي منصب ولابد من دم جديد يتفق ويتواكب مع المتغيرات الجديدة إلا أن طلبه قوبل من كل الحاضرين بالرفض صمتًا، باستثناء زميلين الأول هو الدكتور عبدالمنعم سعيد رئيس مجلس إدارة الأهرام الذي تساءل: لمن تقدم الاستقالة الآن، ورد عليه الفريق شفيق أن من يرغب في الاستقالة منكم يعرف بالقطع لمن يقدمها.. الآن.
أما الثاني فقد كان هو عبدالله كمال الذي رفض صراحة الاستقالة، وأعلن بوضوح أنه متمسك بالاستمرار في منصب ولن يتركه إلا بالإقالة.. وعندما بدأ الدكتور يحيى الجمل -نائب رئيس الوزراء والمسئول عن الصحافة وقتها- مشاورات الحركة الصحفية كتب عبدالله كمال في روزاليوسف يتهمه بأنه سوف يقيله لأنه سبق أن كتب ضده من قبل..
وكان إصرارنا (هاشم وأنا) على الاستقالة، وانضم إلينا محمد على إبراهيم رئيس تحرير الجمهورية وحمدي رزق تحرير "المصور" الذي قدم استقالته ثم سحبها، وكانت كل هذه الأحداث مقدمة لتغيير شامل في رؤساء المؤسسات الصحفية القومية ورؤساء التحرير..
وهكذا بعد أن كان تفكير من تولوا إدارة شئون البلاد بعد تنحي مبارك يقتصر على تغيير عدد محدود من رؤساء التحرير وتحديدا أربعة منهم هم: ممتاز القط رئيس تحرير أخبار اليوم، ومحمد على إبراهيم رئيس تحرير الجمهورية، وعبدالله كمال رئيس تحرير روزا، وأسامة سرايا رئيس تحرير الأهرام..طال التغيير الأغلب الأعم من قيادات الصحافة القومية.
لقد كانت تلك الوقائع مقدمة طبيعية لمرحلة جديدة في تاريخ الصحافة المصرية، بعدما أصبحت المطالبة بالتغيير مطلبًا شعبيًا ومهنيا في آن واحد. غير أن تغيير الأشخاص لم يكن سوى بداية الطريق، أما الامتحان الأصعب فكان في كيفية استعادة ثقة القارئ، وهو ما ستكشف عنه المرحلة التالية حين تبدلت لغة الصحف بين ليلة وضحاها، وانتقلت من خطاب إلى نقيضه، وهو تحول يستحق وقفة مستقلة..
ونستكمل غدا إن شاء الله.
