الذل!
في زمن هذه الحكومة.. لم يعد الشهر -كما كان قديمًا- ثلاثين يومًا أو أقل يومًا أو أزيد يومًا، بل كاد يقترب من 300 يوم مما تعدون. صار الشهر يأبى أن يطوي صفحاته سريعًا ويمضي، بل غدا مثل ضيف ثقيل الدم والحضور، أو مرض مزمن، لا يريد أن يغادر.
أصبح الشهر كظلمات في بَحر لجّي، يَغشَاهُ مَوج مِّن فوقه مَوج، مِّن فَوقه سَحَاب، ظُلُمَٰتُ بَعضُهَا فَوقَ بَعضٍ. لا نبغي انتهاء الشهر حبًا في تقادُم الأيام وتعاقبها؛ فكل يوم يمر هو خَصم من عُمر الإنسان، ولكن أملًا في إدراك شاطئ النجاة وتنفس الصعداء والحصول على ما تبقى من المرتب؛ لتسديد بنود الجباية الحكومية المتراكمة التي لا تُعد ولا تُحصى.
الحكومة جعلت من اليوم أسبوعًا، ومن الأسبوع شهرًا، ومن الشهر سَنة عِجافًا، ومن الراتب -أيًا كان- سرابًا. رب الأسرة الذي ينجو بنفسه وبأسرته إلى اليوم الأخير من الشهر بأقل قدر من الخسائر والديون في هذا الزمان يجب أن يُقام له تمثال في بهو منزله، ويُدرج اسمه ضمن قوائم الخالدين؛ فهذا إما عبقري وإما محظوظ، ولا يُفضَّل أن يكون الثالثة!
أيام صعاب لا يعلم بخباياها إلا الله جل في علاه، يتحمل أوزارها أربابُ الأسر وأولياء الأمور وحدَهم، حيث لا معين لهم في هذه الضائقة الممتدة سوى الله. ما أصعب أن تكون الحكومة -المنوط بها خدمة الشعب ورعايته- منزوعة الرحمة ومعدومة الرفق.
الحكومة أصبحت تقتات على جيوب الشعب؛ فكلما فشلت أو عجزت عن تدبير أمر من أمورها الثقال، استسهلت مد أياديها، وما أكثرها وأطولها- في جيوب المواطنين، فتغترف منها ما تشاء، وغير بعيد.. قد تعلن عن بيع هذه الجيوب الفارغة في مزاد علني!
طفرات مجنونة في أسعار الخدمات الأساسية لا ترعى الحكومة فيها إلًا ولا ذمة، ولا ترحم فقيرًا ولا مُستضعفًا. الحكومة تصمُّ آذانها عن كل استغاثة أو استجارة أو شكوى، وكأنها صارت بلا آذان، كما لا يهتز قلبها من شيء، حتى كأنها صارت بلا قلب، شعارها الدائم: "ادفع بالتي هي أحسن، حتى لا تدفع بالتي هي أسوأ"!
أجور لا تكافئ أعباء الحياة الأساسية، وزيادات محدودة لا تواكب صفعات الغلاء المتتالية، ومعاشات متحفية. حكومة تبدو بلا عقل ولا وعي، تُراكم الأعباء على الفقراء والمعدومين.
الفقر بتنويعاته ودرجاته ودركاته هو الأكثر اتساعًا وتوغلًا في هذا الزمان، فيما تتقلص مساحات الستر، حتى كادت أن تتلاشى وتختفي من طبقات وفئات ظنت أحايين من الدهر أنها بمنأي عن هذا الوحش الكاسر المُسمى "فقرًا"، لو كان الفقر رجلًا لقتلته، لا عاصم اليوم من ذل الحكومة إلا من رحم الله!
هذه الحكومة -إن استمرت بسياساتها غير الرشيدة عامًا أو اثنين أو ثلاثًا على الأكثر- فإن عموم المصريين سوف ينطوون تحت مظلة الفقر المُذل، باستثناء رواد يلا ساحل وسكان مراسي وما أقلهم، فجميعهم لا يشكلون نسبة تُذكر في محيط الـ120 مليونًا!

