المتسول والحكومة!
منذ سنوات يرابط بالقرب من سكني متسول من الفئة الأولى؛ حيث لا يرتدي الرث من الثياب، ولا يطلق للحيته العنان، ولا يخفي عينيه بنظارة سوداء، ويقتني هاتفًا غالي الثمن، رأيتُه رأي العين، ويغدو ويروح في سيارات حديثة، ربما تكون تابعة لأحد تطبيقات النقل الذكي.. الله أعلم.
قبل عام تقريبًا، وتزامنًا مع حريق سنترال رمسيس، وما صاحبه من توقف ماكينات الصرف الآلي وتعطل السحب بالفيزا.. لجأتُ إليه مضطرًا، فلم يُخيب ظني، وكان سندًا قويًا، وهذا في القياس غريب، وعندما نشرت تفاصيل هذا الموقف أثار جدلًا كبيرًا وتم تداوله على نطاق واسع، وطرح في محاضرات عن إدارة الأزمات بجامعة مصرية عريقة.. اه والله!
وفي التفاصيل.. زودتُ سيارتي بالوقود في الثامن من يوليو من العام الماضي، وكنت أعتزم الدفع بالڤيزا، ولكنها استعصت عن العمل. غادرتُ سيارتي إلى ماكينة ATM كائنة داخل المحطة؛ في محاولة لإنقاذ الموقف، ولكنها أبت أن تقبل الكارت أصلًا، ولفظته في وجهي، وبدت كما يشدو عمرو دياب في إحدى أغنياته: “زي الزينة ديكور”!
تواصلتُ مع الأقربين والأصدقاء واحدًا تلو الآخر؛ أطلب منهم إرسال المبلغ المطلوب سريعًا عبر تطبيقات تحويل الأموال؛ خاصة أني كنت مرتبطًا بعمل، لكن كلهم أجمعوا على أن التطبيقات تستعصي أيضًا على العمل. أسأتُ الظن بهم في البداية، قبل أن يرسل بعضُهم لي فيديوهات مصورة تؤكد رواياتهم المريبة.
ما العمل إذن؟ ترجلتُ بعيدًا نحو عدة ماكينات تتبع بنوكًا مختلفة، جميعها رفع راية العصيان في وجهي ووجوه غيري، بينما كانت شمس العصاري تغلي فوق الرؤوس وتلفح الجباه؛ قبل أن نعلم لاحقًا أن السر هو حريق سنترال رمسيس.. يا للهول!
أعيتني الحيل، وتقطعت بي الأسباب، وضاقت عليَّ نفسي، وقبيل أن أعود مجددًا إلى المحطة التي تركت سيارتي فيها، رمقتُ سائلا يرابط مكانه منذ فترة طويلة، بيننا لغة صامتة. سلمتُ عليه فسلَّم. كان في جيبي مبلغ ضئيل نفحتُه إياه، ثم باغتُه قائلًا: "تعلم أني زبونك من زمان"، فارتبك وهمهم متسائلًا: ماذا تريد؟
فقصصتُ عليه القصص، واقترحتُ عليه أن أصحبه إلى المحطة لدفع المبلغ المطلوب، وكان دون الألف جنيه بقليل، على أن يعود معي إلى منزلي لاسترداده، ثم أعيده إلى مكانه!
حقيقة الأمر.. أنني كنت أمازح هذا الخمسيني المريب، وكنتُ أسترد أنفاسي بعد ساعة من البحث والتقصي المشمولين بالإحراج، ولم أكن أعوِّل على الرجل في حل هذه الأزمة العابرة بكل تأكيد، وما توقعت استجابته، ولكنه فاجأني بالموافقة السريعة جدًا، وأخرج ألف جنيه (خمس أوراق ناصعات من ذوات الـ200) دون ضمانات، وقال كلامًا مفاده أنه متأكد من أنني سوف أعيدها إليه، فأكبرتُه!
تنفسَّتُ الصعداء، وهُرعت إلى البنزينة التي تحولت سريعًا إلى جراج كبير، امتدت آثاره إلى الطريق العام؛ بسبب تعثر عمليات الدفع؛ خاصة أن العمال كانوا يتجاهلون أو يتناسوَن إبلاغ قائدي السيارات بأن "السيستم واقع" على وقع الحريق، وحررت سيارتي من الأسر المؤقت!
وقبل أن أعود إلى بيتي لإحضار "سُلفة" السائل الذي أصبح مسؤولًا، رمقتُ صديقًا مقربًا، فاعترضتُ طريقه، وطلبتُ منه ألف جنيه، فأعطانيها، واصطحبتُه إلى مكان (السائل/ المسؤول)، ورددتُ إليه ماله وأكثر قليلًا شاكرًا وممتنًا.. وصارت بيننا "معرفة"!
وبعد مرور عام، وتحديدًا يوم الاثنين الماضي، وبعيدًا عن أنه لم يتم الإفصاح عن نتيجة تحقيقات حريق رمسيس حتى الآن؛ لأسباب مجهولة، في ظل صمت برلماني رهيب أقرب إلى التواطؤ، وليتُ وجهي شطر المحطة ذاتها، ولكن الخدمة كانت متوقفة؛ ولكن هذه المرة بسبب تفريغ شاحنة البنزين..
فركنتُ سيارتي داخل المحطة، وترجلت قليلًا، فإذا بالمتسول الذي لا يزال مرابطًا في مقره الدائم، فهالني مظهره العام وإطلالته الشخصية؛ فلم يعد كما كان، فسملتُ عليه، وسألتُه عن السبب: أمرَضٌ ظفر به، أم سبب آخر؟
فقاطعني: الحمد لله، لستُ مريضًا؛ فأنا أجرى تحاليل طبية كل ستة أشهر، وأشار إلى لافتة معمل شهير، أسعاره باهظة. كاد لساني يسبقني ويسأله: هل تجريها مجانًا أم بمقابل؟ ولكن تراجعتُ في اللحظة الأخيرة تحرُّجًا، قبل أن أسأله مجددًا: إذًا ما السبب في تغُّير حالك؟
فأجابني ما مفادُه ومختصرُه: الحال واقف، والدنيا مش أحسن حاجة، والدخل تراجع إلى أقل من 10%، تخيل أني لا أتحصَّل على ألف جنيه في اليوم، بعدما كنتُ أعود يوميًا بعشرة آلاف جنيه؟! هنا نطق لساني بغير حول مني ولا قوة: 10 آلاف؟ فأجاب: طبعًا.. ده في الأيام العادية، غير أيام رمضان والأعياد!
تظاهرتُ بالإشفاق عليه والتأسي لحاله (على طريقة يونس شلبي في مسرحية العيال كبرت)، قبل أن أسأله مجددًا: ما السبب، ربما استمرارك فترة طويلة في نفس المكان جعل الناس تعرض عنك، لماذا لا تغيره أو تستبدله بمكان آخر لا يعرفك فيه المارة؟
يبدو أن مداخلتي لم ترُق للسيد المتسول، فأشاح بوجهه، وقال ما يعني أن الأمر لا يقتصر عليه وحده، وأن معظم المتسولين في بر مصر، إن لم يكن جميعهم، بمن فيهم المحترفون قبل الهواة، يعانون -مثله- أشد المعاناة، وبعضهم يكاد يلامس خط الفقر، معقبًا: الظروف الصعبة التي يعاني عموم الناس منها تنعكس بشكل مباشر علينا.
قلتُ له: من الذي يتحمل المسؤولية إذن يا عزيزي؟، فأجابني: الحكومة طبعًا، سألته كيف؟ فاستطرد: الحكومة جوَّعت الشعب.. الناس استغنت عن أساسيات كثيرة، وبالتالي لم تعد تملك رفاهية التعاطف معنا والإحساس بنا.. الناس ماشية بتكلم نفسها.. كما إن عددنا زاد في السنوات الماضية، وتحديدًا خلال العام الأخير، فضلًا عن متسولي الإنترنت والفضائيات وغيرهم!
حاولت التخفيف من حدة الموقف الدرامي (المأساوي) متسائلًا: بعيدًا عن دخلك المتواضع -كما تقول-هل انعكس هذا التراجع على حياتك، بعدما أصبح متوسط دخلك ثلاثين ألفًا لا يزيدون؟ فرمقني بنظرة غير مريحة قبل أن يجيب: طبعًا؛ اضطررت أن أنقل أولادي الخمسة من مدارس لغات إلى مدارس حكومية، كما تعثرت في سداد الكثير من أقساطي. لم أشأ أن أسأله هذه المرة عن ماهية هذه الأقساط؛ خشية أن يقول: إن أحدها يخص شاليهًا في مراسي أو شقة في مشروع "ذا سباين" مثلًا!
هنا.. تصنعتُ دور أحدهم في برامج الليل وآخره، وسألتُه: طيب ناوي على إيه.. هل ممكن تغير الكارير مثلًا، طالما التسول أصبح من المهن التي تواجه انقراضًا؟ فأجابني متأثرًا: مش عارف، بس لازم يكون فيه حل، لقد أنفقت معظم مدخراتي، لن أستسلم.. ألف جنيه إيه دول اللي بجمَّعهم طول اليوم؟ منك لله يا حكومة.. عمرنا ما شوفنا الأيام دي!

