المعارضة المطلوبة
كان الأداء البرلماني في مناقشة اختصاصات جهاز مستقبل مصر راقيا، لعبت المعارضة دورا متميزا ومعها الأغلبية والاستجابة الوطنية من ممثلي الجهاز، وهو أداء نتمني أن يسود أي مناقشات مستقبلية تعيد لجمهور الناخبين الثقة في مجمل العملية السياسية، ولهذا ابتكرت الإنسانية البرلمانات والمعارضة..
وربما يكون ما جري متسقا مع مطالبة الرئيس مؤخرا بتنشيط الحياة السياسية، ومن المؤكد أن المعارضة السياسية ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي صحي، حيث تلعب دورًا حيويًا في تصويب المسار، ومراقبة أداء الحكومة، وطرح رؤى بديلة تعزز من جودة الحوكمة.
ومع ذلك، عندما تفقد المعارضة القدرة على التمييز بين القضايا الوطنية الكبرى والخلافات السياسية الداخلية، فإنها تتحول إلى عقبة أمام الاستقرار السياسي والتقدم الوطني، بدلًا من أن تكون قوة دافعة نحو الإصلاح والتطوير.
و في كثير من الدول، تتجاوز المعارضة حدود النقد البناء، وتتحول إلى أداة صراع سياسي بحت، حيث تصبح معارضة كل شيء لمجرد المعارضة، دون تقديم بدائل حقيقية. والأسوأ من ذلك، حين تستغل القضايا الوطنية المصيرية كورقة ضغط سياسي، فإنها بذلك تقوّض وحدة الدولة، وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية، وتهدد استقرار المجتمع.
ولا توجد بلاد مخلوقة للديمقراطية وبلاد مخلوقة للطغيان، الحكاية كلها تطور اجتماعي واقتصادي وسياسي وثقافي، وبقدر ما تحدد الشعوب أهدافها بدقة بقدر ما تختصر الطريق الطويل وتنجز مرادها فى الحياة الكريمة الحرة.
وأوروبا مثلا لم تكن واحة الديمقراطية، كانت مثلها مثل غيرها محكومة برجال الدين وبالطغاة، وكانت مثلها مثل غيرها ترتع فى التخلف والمظالم الاجتماعية والأوبئة والحروب المذهبية والصراعات الطائفية، ومؤامرات القصور والإعدامات والمؤامرات والخيانات الموصولة دون انقطاع.
والديمقراطية اختراع إنسانى عبقرى يهدف إلى قمع القمع عن طريق تعدد مراكز صنع القرار والرقابة المتبادلة بين مؤسساتها، وهى ليست مجرد اصطلاح سياسي ولكنها نظام حكم له مبادئ وله إجراءات، أهمها أن الحق في الاختلاف ليس منحة من أحد، بل جوهر الحرية نفسها.
في المجتمعات الواثقة من نفسها، لا تُقابَل الأفكار بالتحريض ولا تُواجَه الآراء بالتخوين، بل تُناقَش بالحجة ويُرَد عليها بالفكر. أما حين يتحول الاختلاف إلى حالة من التعبئة والغضب لمجرد أن أحدا تبنّي طرحًا لا يوافق القوالب الجاهزة، فالمشكلة هنا لا تكون في الرأي المطروح، بل في ضيق المساحة المتاحة أصلًا للتفكير خارج الاصطفاف.
وهناك تخوف مشروع من الكلام عن الصناديق السيادية هذا الخوف مشروع تمامًا، وسببه غياب الشفافية والوعي بالهياكل التنفيذية لهذه الصناديق التي بدت وكأنها كيانات غامضة تعمل خارج رقابة الدولة والموازنة العامة.
ولكن، لكي نناقش إدارة أصول الدولة بعقلية علمية حوكمة بعيدًا عن العواطف، يجب توضيح حقيقة هيكلية غائبة، فالصندوق السيادي ليس بديلًا للبنك، بل هو المظلة الأكبر والأشمل التي بإمكانها احتواء بنك كامل بداخلها.
أما الفارق الهيكلي والتنفيذي بين البنك والصندوق فهو أن البنك كيان تنفيذي محدود، البنك في أصله أداة لإدارة السيولة النقدية، وصرف المدفوعات، والاستثمار في أدوات دين تقليدية كأذون الخزانة والودائع، وهو لا يمتلك الصلاحية الحوكمية لإدارة وتطوير الأصول السيادية العينية كالمصانع، الأراضي، البنية التحتية، والمشروعات الإنتاجية الكبرى.
ولهذا فإن الصندوق السيادي هو المظلة الإستراتيجية الأشمل وهو مدير الأصول الأكبر، وتفوق مرونته وصلاحياته أي بنك تقليدي. الصندوق يمكنه هندسة وتأسيس شركات، وإدارة وتطوير أصول رأسمالية كبرى تحمي الأموال من التضخم العالمي والمحلي.
