حان وقت إحياء من أين لك هذا؟
أغرب ما في الملايين المتداولة لسلع لا تستحق هذا الثمن أن الناس لم تعد تسأل لماذا؟ ومن أين؟ فقد بات ثمن الشالية في الساحل يقترب من المليار جنيه، وبعض القصور والفلل يقترب سعرها من النصف مليار جنيه، ولم يعد غريبا أن نجد أساطيل من السيارات الفارهة والأفراح الأسطورية بل والمأتم أيضا في استعراض فاجر لثراء فاحش مجهول المصدر..
ثم الأغرب من كل ذلك أن هذا السلوك المستفز من بشر ليس لهم تاريخ عائلي أو نشاط اقتصادي يدر تلك الثروة المفرطة، يحدث ذلك في بلد مديون لشوشته، وحد أدني للأجور ثمانية آلاف جنيه، أي أقل من مائتي دولار شهريا، وهذا هو حال الأغلبية من طبقة الموظفين والعمال وأصحاب المعاشات.
صحيح أن إختلاف الناس في الرزق سنة كونية، تنتج عن اختلاف درجات فهمهم ومواهبهم واختلاف مصادر الرزق وعوامل أخرى جعلها الله أسبابًا للمفاضلة في الرزق، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة، ولكن ليبلو بعضهم ببعض، ويمتحن صبر هذا وثبات ذاك{وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ۚ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ ۚ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ}..
وقد فتحت حادثة التجمع جرح البلطجة وإستغلال النفوذ والثراء المشبوه، المسألة لم تعد مجرد حراس شخصيين، بل أصبحت ثقافة كاملة، تقوم على فكرة أن المال يشتري الهيبة، وأن النفوذ يشتري الحصانة، وأن المواطن العادي يجب أن يفسح الطريق لمن يحيطون أنفسهم بالحراس، وكأنهم فوق المجتمع وفوق القانون.
وهم اهم أدوات الابتزاز وتحقيق الثراء المشبوة لذا انتشرت الملايين المشمومة في ظل غياب قوانين تلاحق تلك الأموال، وكان هناك كلام كثير حوّل قانون من أين لك هذا، فيما يبدو لم تكن هناك إرادة سياسية كافية لإعادة احيائه..
فمن أين لك هذا ليس اسمًا لقانون واحد بحد ذاته، بل هو مبدأ قانوني ومصطلح شائع يُقصد به قوانين الكسب غير المشروع وإشهار الذمة المالية. تُلزم هذه القوانين الموظفين العموميين والمسؤولين بالإفصاح عن مصادر ثرواتهم لإثبات عدم استغلالهم لمناصبهم. ويقع عليهم عبء إثبات المصدر القانوني والمشروع لهذه الأموال.
ولكن المصيبة فيما يسمون انفسهم رجال أعمال وصبيانهم ومهن اخري مثيرة، كالسماسرة ومعارض السيارات وتجار الأراضي، لديهم ملايين من تجارة مخدرات وسلاح وتجارة أعضاء ودعارة وآثار وأراضي وتجارة عملة مشمومة وهي أشهر غسالات الأموال.
صحيح أن القانون يعاقب على جريمة غسيل الأموال بالسجن مدة تصل إلى 7 سنوات، وغرامة مالية تعادل مثلي (ضعفي) الأموال محل الجريمة، بالإضافة إلى مصادرة الأموال أو الأصول المضبوطة، ولكن الصحيح أيضا أن هناك عشرات الطرق للالتفاف حول القانون، وبات الأمر بحاجة لقانون رادع خاصة بعد إلغاء منصب المدعي العام الاشتراكي في يونيو 2008..
وكان ذلك بمثابة أكبر انتصار حققته الرأسمالية الانتهازية بصفتها المصدر الرئيسي للفساد في المجتمع، وفاقت صور الفساد بعد ذلك ما كان يحكي عن مخازى الانفتاح. ومعه ألغيت محكمه القيم ولم يعد يحال إليها قضايا جديده منذ 2008، نظامان كانا يمثلان الثنائي المرعب لكل من تبدو عليه أعراض الثراء السريع أو الفاحش بغير سبب يتقبله العقل أو المنطق، فتتم محاسبته بقرار فوري من المدعي العام الاشتراكي بفرض الحراسه علي أمواله أو تعيين قيم لإدارة هذه الأموال.
الفساد كالارهاب يتطلب إرادة حقيقية وإنتهاج سياسات تقوم علي الشفافية، وإصلاح منظومة الأجور، ومواجهة الغلاء الفاحش الذى يبلع المرتبات الهزيلة التى لا تسمن ولا تغنى من جوع، ويجب على الحكومة تفعيل الشباك الواحد فهو من أكثر الأمور التي من شأنها مواجهة الفساد في مصر، وتفعيل الحكومة الالكترونية كخطوة نحو إبعاد الموظفين عن التعامل مع الجمهور، واحلالهم بمنظومة الميكنة الالكترونية.. والرأي عندي أن الفساد قضية يحب ألا تسقط بالتقادم.
