الجريمة وسن الطفولة
كان حادث تخريب منطقة الفان زون ومقتل بائعة الشاي علي أيدي مراهقة، وعشرات الحوادث الأخري وآخرها تحطيم أثاث بعض المدارس فور إنتهاء امتحانات آخر العام، كلها حوادث كاشفة لجيل لم يتلق قدرا من التربية والقيم..
وبدأت تتصاعد عدة جرائم خطيرة مؤخرا يرتكبها أحداث لم يتجاوزوا سن الثامنة عشرة، بعضها جرائم قتل عمد، وإغتصاب، وهتك عرض، وسرقة بالإكراه، واعتداءات متوحشة باتت تُنذر بتحوّل خطير فى نمط الجريمة داخل المجتمع المصرى..
وبرغم جسامة هذه الجرائم، فإن التعامل القانوني معها لا يزال محكومًا بقانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته، والذى يمنح حماية واسعة للحدث، ويمنع تطبيق أغلب العقوبات المشددة عليه حتى عندما تتوافر لديه الأهلية الكاملة للإدراك والتمييز.
هذا الواقع صعّد جدلًا تشريعيًا واسعًا حول ضرورة إعادة النظر فى سنّ المسئولية الجنائية الكاملة، وإمكانية تخفيضه بما يضمن تحقيق الردع العام والخاص، مع الحفاظ على الحدود التى رسمها الدستور والاتفاقيات الدولية التى انضمت إليها.
وعقب كل جريمة يرتكبها أحد المراهقين تعلو الأصوات مطالبة بتغيير قانون سن الطفولة وآخرها حادث مقتل بائعة الشاي، وهناك مطالبات للنزول بسن الطفل إلى 15 عاما بدلا من 18 عاما، نظرا لأن التكوين البدني والنفسي جعل الطفل أكبر من السن نفسه.
ولهذا نتعايش مع جرائم مروعة نتيجة التسيب والدلع ثم الإفلات من العقوبة، لان المتهم لايزال في سن الطفولة، وقد حددت المادة 80 من الدستور المصرى سن الطفولة بـ18 عاما، كما أنه قبل العمل بالدستور المعدل في عام 2014 وقعت مصر على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل..
والعالم أجمع عمل لأكثر من 70 عاما للاتفاق على وثيقة خاصة بحقوق الطفل، وكان من أهم بنود تلك الوثيقة أن يحدد سن الطفولة بـ18 عاما وهو بإجماع من علماء الدين والنفس والاجتماع، حيث إنه عند الانتقال من سن الطفولة للشباب هو 18 عاما. ووتختص محكمة الطفل دون غيرها بالنظر في أمر الطفل عند اتهامه في إحدى الجرائم أو تعرضه للانحراف، كما تختص بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في المواد من 113 إلى 116 والمادة 119 من هذا القانون..
وتنص المادة 111 من قانون الطفل على: لا يحكم بالإعدام ولا بالسجن المؤبد ولا بالسجن المشدد على المتهم الذي لم يجاوز سنه الثامنة عشرة ميلادية كاملة وقت ارتكاب الجريمة. وإذا إرتكب الطفل الذي تجاوزت سنه خمس عشرة سنة جريمة عقوبتها الإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المشدد يحكم عليه بالسجن، وإذا كانت الجريمة عقوبتها السجن يحكم عليه بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر..
غير ان الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل نفسها لا تفرض سنًّا محددًا للرشد الجنائي، بل تنص على حظر الإعدام والمؤبد إلا إذا بلغ الشخص سنّ الرشد أو المسئولية الجنائية الكاملة. وبالتالي فإن الاتفاقية لا تمنع الدول -ومنها مصر- من إعادة تحديد سن المسئولية الجنائية الكاملة.
والنزول بها إذا اقتضت الظروف الاجتماعية والأمنية. وإعتبار شخص أقل من 18 عامًا مسئولًا مسئولية كاملة فى الجرائم الكبرى. ولذلك فإن الالتزام الدولي لا يشكّل مانعا أمام تعديل التشريع المحلي، بل يمنع فقط توقيع الإعدام والمؤبد على من تقرر الدولة أنه طفل..
وهناك من يعتقد بضرورة معاقبة ولي أمر القاصر بحكم مسئوليته عن تربيته ومراقبة سلوكه وتهذيبه، ولكن التشريعات المصرية تؤسّس قواعد المسؤولية الجنائية على مبدأ شخصية العقوبة، مما يعني أن ولي الأمر لا يُعاقب جنائيًا بشكل مباشر عن الفعل الذي ارتكبه إبنه القاصر.
ومع ذلك، تنشأ المسؤولية الجنائية لولي الأمر فقط إذا كان لارتكاب الجريمة من قبل القاصر سبب مباشر يتعلق بإهمال الولي أو تحريضه أو اشتراكه في الجريمة بأي شكل من الأشكال. هنا يتحول دور ولي الأمر من مجرد مشرف إلى شريك أو متسبب، ويصبح مسؤولًا جنائيًا عن فعله هو وليس فعل القاصر نفسه..
وعموما فإن هؤلاء المراهقين لم ينحرفوا مرة واحدة؛ ولكن بالإغداق عليهم بالنقود والسماح بالسهر للصباح، وكل حياتهم تسير بالواسطة ولم يتحملوا المسئولية؛ لأن كل متطلباتهم متوافرة ومباحة بإسراف، وهؤلاء لم يعاقبوا بالحرمان مثلا سواء في البيت أم المدرسة والتعريف الصحيح لمفهوم ولاد الناس بتربيتهم وأخلاقهم واحترامهم لنفسهم ولمن حولهم وليس بثروة العائلة والسيارة والملابس المستوردة.
والناجحون غالبا هم نتاج تربية سليمة خلقت داخلهم السلام النفسي والأمل وحسن الظن بالله؛ لأن الخير موجود دائمًا في كل العصور ويهزم أي شر داخل النفوس المريضة. هؤلاء الناجحون عملة نادرة؛ لذا وجب الحفاظ عليهم والاقتداء بهم، وإن شئنا الدقة فإن تربية الأبناء يجب أن تكون مشروع مصر القومي؛ لأن هؤلاء الأبناء هم من سيديرون هذا البلد يومًا ما.
