أنيس منصور والحكومة العلمية!
للمفكر الكبير الراحل أنيس منصور رؤية عميقة ومؤلمة في تفسير الفارق بيننا وبين الأمم التي انطلقت من ظروف شبيهة بظروفنا ثم سبقتنا بسنوات ضوئية. كان يقول إن لدينا نوعين من الحكومات: حكومة العلماء والحكومة العلمية.
فحكومة العلماء هي أن تأتي بضابط فتجعله وزيرًا للدفاع، أو بطبيب فتسند إليه الصحة، أو بفنان ليتولى الثقافة. وهي صيغة قد تبدو عقلانية، لكنها لا تكفي وحدها لصنع نهضة. فالوزير كثيرًا ما يأتي ليبدأ من جديد، ويُثبت أن من سبقه لم يكن يفهم، فيلغي ويغير ويهدم أكثر مما يبني، فتضيع الجهود بين الأشخاص وتتوقف المسيرة عند كل تغيير.
أما الحكومة العلمية، فهي حكومة تملك رؤية واضحة وبرنامجًا متفقًا عليه وأهدافًا محددة. الوزراء فيها مجرد منفذين لمشروع وطني أكبر منهم جميعًا. إذا رحل وزير جاء غيره ليكمل الطريق، لأن الدولة لا تُدار بالأمزجة ولا بالاجتهادات الفردية، بل بالمؤسسات والخطط المستقرة.
وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا تأخرنا بينما تقدمت اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة؟ يروي أنيس منصور أن اليابانيين عندما أدركوا تخلفهم بعد انفتاحهم على العالم، اجتمع مفكروهم وخبراؤهم، وأرسلوا البعثات إلى الدول المتقدمة ليتعلموا أسباب القوة ومفاتيح النهضة.
وعاد المبتعثون بخطة واضحة، واستقدموا خبراء في مختلف العلوم والصناعات، ثم انصرفوا إلى العمل سنوات طويلة في هدوء وانضباط حتى فاجأوا العالم بدولتهم الحديثة. ولم يكن نجاحهم مصادفة، بل ثمرة رؤية واستمرارية واحترام للعلم.
وفي المقابل، كان الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي يسجل في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» مشاهداته عن المجتمع الفرنسي؛ فلفت نظره النظام والنظافة واحترام الوقت وإتقان العمل. أدرك الرجل مبكرًا أن الحضارة ليست أبراجًا وأسوارًا، بل منظومة قيم وسلوك وإدارة.
والحقيقة أن ديننا نفسه وضع الأساس لهذا الفهم الحضاري. فقد كانت أول كلمة نزلت من السماء هي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وكأن الرسالة الخالدة تعلن منذ اللحظة الأولى أن طريق النهضة يبدأ بالعلم والمعرفة. وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وهي الآية الوحيدة التي طلب فيها الله من نبيه أن يسأله المزيد من شيء بعينه، وهو العلم.
وفي السنة النبوية نجد قوله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهّل الله له به طريقًا إلى الجنة». وكان الأسرى في غزوة بدر يفدون أنفسهم بتعليم أبناء المسلمين القراءة والكتابة، في إشارة مبكرة إلى أن بناء الإنسان المتعلم جزء من بناء الأمة القوية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تقود الحضارة الإسلامية العالم عدة قرون. ففي العصر العباسي، وخاصة في بغداد، نشأت حركة علمية غير مسبوقة. أُقيم بيت الحكمة، وتُرجمت علوم الأمم، ثم لم يكتف المسلمون بالنقل، بل أضافوا وأبدعوا وابتكروا. برعوا في الطب والفلك والرياضيات والكيمياء والهندسة والبصريات، وتحولت بغداد ودمشق وقرطبة إلى مراكز علمية يقصدها طلاب المعرفة من مختلف أنحاء العالم.
وقد لخّص ابن خلدون سر التقدم بقوله الخالد: «إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب». لكن الاقتداء الحقيقي لا يكون في تقليد المظاهر أو استيراد المنتجات، بل في استيعاب أسباب القوة، وفي مقدمتها احترام العلم، والانضباط، وإعلاء قيمة العمل، وبناء المؤسسات.
أما نحن، فكثيرًا ما نتعامل مع النجاح بوصفه حدثًا عابرًا لا مشروعًا مستدامًا. نحقق إنجازًا ثم نهدمه، ونبدأ تجربة ثم نقطعها، ونربط كل شيء بالأشخاص لا بالمؤسسات. لذلك تتكرر البدايات وتتأخر النتائج.
لقد بدأت كوريا الجنوبية بعد حرب مدمرة، وكانت من أفقر دول العالم، لكنها استثمرت في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا، ووضعت خططًا طويلة المدى لم تتغير بتغير الحكومات. وسنغافورة، وهي دولة محدودة الموارد، قررت أن ثروتها الحقيقية هي الإنسان، فاستثمرت في التعليم والإدارة الرشيدة وسيادة القانون، فأصبحت واحدة من أهم المراكز الاقتصادية في العالم.
إن الإصلاح لا يصنعه قرار وزاري، ولا يحققه تغيير الأشخاص، ولا تنجزه الخطب الرنانة. الإصلاح يبدأ حين تتحول الدولة كلها إلى مشروع علمي منظم، يحدد إلى أين يريد أن يصل، وكيف يصل، وكيف يضمن استدامة النجاح.
إن السؤال لم يعد: لماذا تقدم الآخرون؟ فالإجابة أصبحت واضحة. السؤال الحقيقي هو: متى نؤمن نحن بأن النهضة لا تصنعها الصدفة، ولا المعجزات، ولا الأفراد مهما بلغت كفاءتهم، وإنما تصنعها المعرفة حين تتحول إلى ثقافة، والعلم حين يصبح أولوية، والخطة حين تصبح التزامًا، والمؤسسات حين تتجاوز أعمار الرجال.
وعندها فقط نستطيع أن نبدأ من جديد، وأن نستعيد المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
