الوزيرة المُدانة ولعبة المظلومية
هناك لحظات فارقة لا تُقاس بحجم الحدث نفسه، وإنما بما تكشفه من طبيعة الدولة ومقدار احترامها لمؤسساتها. وما جرى في أعقاب صدور الحكم القضائي النهائي بحق الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة السابقة، لم يكن مجرد استقالة وزيرة، بل كان اختبارًا حقيقيًا لعلاقة السلطة التنفيذية بالقضاء.
وقد اجتازت الدولة هذا الاختبار بقدر كبير من المسؤولية، ولابد أن نحييها على قرارها فهي لم تبحث عن مخرج سياسي، ولم تلتف على حكم محكمة النقض، أعلى درجات التقاضي في مصر، ولم تُحاول صناعة رواية موازية تخفف من وقع الحكم أو تُبقي الوزيرة في موقعها.
جاء القرار سريعًا، واضحًا، ومتسقًا مع مبدأ لا يستقيم بناء الدول بدونه: أن أحكام القضاء واجبة الاحترام، وأن المنصب العام لا يمنح صاحبه حصانة ضد القانون.
في تلك اللحظة، كانت الدولة ترسل رسالة تتجاوز شخص الوزيرة وقضيتها، رسالة تقول إن العدالة تعلو على المناصب، وإن الحكومة لا تدخل في خصومة مع القضاء دفاعًا عن مسؤول، لأن خسارة الدولة أمام القضاء أخطر من خسارة أي وزير.
لكن المؤسف أن الوزيرة السابقة اختارت، بعد خروجها من المشهد الرسمي، أن تُربك هذه الرسالة فالبيان الذي أصدرته لم يكن بيان وداع لمسؤول غادر موقعه احترامًا لأحكام القضاء، بقدر ما بدا محاولة لإعادة صياغة القضية في وعي الرأي العام.
انتقلت فيه بؤرة الحديث من الحكم القضائي إلى حديث مطول عن الحملات الممنهجة، واستهداف السمعة، والإساءة للأسرة، وكأن الأزمة لم تعد حكمًا قضائيًا نهائيًا، بل حملة إعلامية تستوجب التعاطف. وهنا تكمن المعضلة.
فالوزير ليس مواطنًا عاديًا حين يتحدث إلى الناس. كلماته تُحسب، ورسائله تُقرأ سياسيًا قبل أن تُفهم إنسانيًا. لذلك فإن تصوير القضية باعتبارها حصيلة حملات أو استهدافات يزاحم الحقيقة الأساسية التي لا يجوز أن تغيب عن المشهد، وهي أن هناك حكمًا نهائيًا صدر عن أعلى محكمة في البلاد، بعد مسار قضائي كامل، وليس نتيجة معركة على مواقع التواصل أو خلاف إعلامي.
من حق الدكتورة جيهان زكي أن تلجأ إلى كل الوسائل القانونية التي يتيحها القانون إذا كانت ترى أن لديها ما يستوجب ذلك، فهذا حق أصيل لا ينازعها فيه أحد. لكن تحويل المعركة من ساحات العدالة إلى ساحات الرأي العام لا يخدم صورتها، ولا يخدم فكرة احترام القضاء التي كانت استقالتها قد كرّستها.
كان البيان يحتاج إلى قدر أكبر من الحكمة، وإلى مساحة أوسع من التواضع أمام حكم القضاء. فالمسؤول العام لا تُقاس مكانته فقط بما ينجزه وهو في السلطة، وإنما أيضًا بكيفية تعامله مع لحظة المغادرة، خاصة إذا كانت مرتبطة بحكم قضائي نهائي.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن الحكومة بدت أكثر حرصًا على حماية صورة الدولة من صاحبة القضية نفسها. فقد التزمت الدولة حدودها، ولم تُعلّق على حيثيات الحكم، ولم تُحاول التشكيك فيه، ولم تُقدّم الوزيرة باعتبارها ضحية، بل تركت للقضاء كلمته الأخيرة.
بينما جاء البيان ليعيد إنتاج خطاب المظلومية، وهو خطاب لا يغير من قوة الأحكام شيئًا، ولا ينتقص من حجيتها، لكنه يفتح أبوابًا واسعة للتأويل والجدل كان يمكن إغلاقها بقدر من الاتزان.
الدول الحديثة لا تُدار بمنطق الأشخاص، وإنما بمنطق المؤسسات. وما يمنح المواطن الثقة في دولته ليس بقاء المسؤول في منصبه، وإنما يقينه بأن الجميع، مهما علت مواقعهم، يخضعون للقاعدة ذاتها: لا أحد فوق القانون.
لقد ربحت الدولة هذه الجولة لأنها اختارت الانحياز إلى العدالة، ولم تجعل من الوزيرة السابقة قضية سياسية، أو عبئًا على مؤسساتها، أو سببًا للاشتباك مع أحكام العدالة.
أما الوزيرة السابقة، فقد كانت تملك فرصة نادرة لأن تغادر المشهد بموقف يليق بالمسؤولية العامة؛ أن تكتفي باحترام الحكم، وتترك دفاعها لمحاميها، لا لبيانات تستدعي التعاطف وتوحي بأن الأزمة وليدة حملات، بينما أصلها حكم قضائي واجب النفاذ.
وفي السياسة، كما في التاريخ، لا تبقى البيانات، بل تبقى المواقف. والموقف الذي سيظل حاضرًا في هذه الواقعة هو أن الدولة المصرية، في هذه الأزمة، اختارت أن يكون القضاء هو الكلمة العليا، وأن تكون هيبة القانون فوق هيبة المناصب، وهي الرسالة التي تستحق الإشادة، لأنها الركيزة التي تقوم عليها الدول وتحتمي بها المجتمعات.
