رئيس التحرير
عصام كامل

ماذا ينقص الإعلام المصري؟

18 حجم الخط

لا توجد أزمة تولد من فراغ، كما لا توجد مؤسسة تفقد تأثيرها بين ليلة وضحاها. التراجع عملية تراكمية، تبدأ بتنازل صغير، ثم اعتياد أكبر، حتى يصبح الاستثناء هو الأصل، ويصبح ما كان مرفوضًا بالأمس أمرًا عاديًا اليوم. وهكذا تبدو قصة الإعلام المصري.

 

إنها قصة إعلام يقف في منتصف الطريق؛ يمتلك تاريخًا ملهمًا يصعب إنكاره، لكنه يواجه حاضرًا لا يمكن تجاهله، ومستقبلًا لن ينتظر المترددين. لهذا لم يكن اجتماع الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مع الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، اجتماعًا عاديًا. 

فالحديث عن تنفيذ تكليفات الرئيس عبد الفتاح السيسي لتطوير المنظومة الإعلامية، وعن مؤتمر سنوي للإعلام المصري، وعن قانون حرية تداول المعلومات، وعن تطوير المكاتب الإعلامية، وعن إيجاد مصادر تمويل مستقلة لإعلام الخدمة العامة، كلها رسائل تؤكد أن الدولة نفسها باتت تدرك أن الإعلام لم يعد ملفًا هامشيًا، بل أصبح أحد ملفات الأمن الوطني والقوة الناعمة.

 

لكن الاعتراف بالحاجة إلى التطوير شيء، والقدرة على صناعة إعلام مؤثر شيء آخر. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي. هل يحتاج الإعلام المصري إلى بعض الإصلاحات؟ أم أنه يحتاج إلى مراجعة فلسفته بالكامل؟

 

هناك من يردد بثقة أن الإعلام المصري لا ينقصه شيء، وأن المشكلة تكمن فقط في الهجوم المنظم عليه، أو في المنافسة غير العادلة مع المنصات الرقمية، أو في الحملات التي تستهدف الدولة المصرية من الخارج. قد يكون في هذا الكلام بعض الحقيقة. لكن الحقيقة كلها شيء آخر. لأن الإعلام الذي لا يراجع نفسه، لن يستطيع إقناع الآخرين بمراجعته.

 

من السهل أن نبني استديوهات حديثة. ومن السهل أن نشتري أحدث تقنيات البث. ومن السهل أن نطلق عشرات المنصات الجديدة. لكن الأصعب بكثير هو أن نستعيد ثقة الجمهور. ثقة الشعب لا تُشترى. ولا تُفرض. ولا تُصنع بقرار. إنها تتراكم ببطء، كما تتآكل ببطء أيضًا.

 

ولعل أخطر ما يواجه الإعلام المصري اليوم ليس المنافسة مع وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما فقدان الحرية وإتاحة المعلومة الصحيحة. فالجمهور لا يبحث فقط عن الخبر. إنه يبحث عن تفسير الخبر. ويبحث عن المعلومة الكاملة. ويبحث عن مساحة للنقاش. 

ويبحث، قبل كل شيء، عن المصداقية. وحين لا يجد ذلك في الإعلام التقليدي، فإنه يذهب إلى مكان آخر. حتى لو كان ذلك المكان أقل مهنية. لا يمكن لأي إعلام أن ينافس إذا فقد أهم رأسماله. ورأس مال الإعلام ليس المال بل المصداقية.

 

الشائعة دائمًا أسرع. والكذب أكثر قدرة على الانتشار عندما تغيب الحقيقة. كل دقيقة تتأخر فيها المعلومة الرسمية، تمنح الشائعة فرصة جديدة للحياة. ولذلك فإن مواجهة الشائعات لا تبدأ بالرد عليها. بل بمنع ولادتها.

 

والحقيقة أن المشكلة ليست في الصحفي بل في الباب المغلق أمامه، لا يستطيع أي صحفي أن يقدم مادة مهنية إذا كانت المعلومة محجوبة، وإذا كان الوصول إلى المسؤول أشبه بمحاولة اقتحام حصن مغلق.

في السنوات الأخيرة أصبحت غالبية الوزارات والهيئات الحكومية تمارس نوعًا من العزلة الطوعية عن الصحافة. طلبات التعليق تُؤجل. المؤتمرات الصحفية أصبحت استثناءً. والبيانات الرسمية تحولت إلى البديل الوحيد للحوار.

 

وأصبح الصحفي يكتب عن الوزارة من خارج الوزارة. يقرأ البيانات كما يقرأها المواطن، ثم يُطلب منه أن يقدم معالجة صحفية مختلفة. كيف؟ الخبر الحقيقي لا يصنعه البيان الرسمي، بل تصنعه الأسئلة.

ولهذا أصبحت مساحة واسعة من العمل الصحفي مجرد إعادة صياغة لما تقرره الإدارات الإعلامية، بينما تراجعت قيمة السبق، والتحقيق، والكشف، والمساءلة. فيما يقدم الإعلام الخارجي سردية مختلفة ويجذب الملايين من الجمهور المصري.

 

الرواية الواحدة لا تقنع أحدًا.. ليست المشكلة أن يكون للدولة روايتها.هذا حق طبيعي. لكن المشكلة أن تتحول تلك الرواية إلى الرواية الوحيدة المسموح بتداولها.

فالحقيقة ليست بيانًا صحفيًا. ولا تُختزل في تصريح رسمي. ولا تكتمل إلا عندما تُختبر بالأسئلة. الإعلام لا يفقد تأثيره لأنه يدافع عن الدولة، وإنما يفقده عندما يتوقف عن طرح الأسئلة التي تشغل المجتمع. وحين تغيب الأسئلة يبحث الناس عن إجابات في أماكن أخرى. حتى لو كانت تلك الأماكن أقل مهنية وأكثر تضليلًا.

 

الفراغ المعلوماتي هو الأب الشرعي للشائعات.. تتحدث الدولة كثيرًا عن مواجهة الشائعات. لكن أخطر ما يغذي الشائعة ليس الكذب. بل غياب الحقيقة. كل دقيقة تتأخر فيها المعلومة الرسمية تفتح الباب أمام عشرات الروايات البديلة. وحين تأتي الحقيقة متأخرة، تكون قد دخلت في منافسة غير عادلة مع روايات استقرت بالفعل في أذهان الناس.

 

ولهذا فإن قانون حرية تداول المعلومات لم يعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة سياسية وإعلامية. إنه القانون الذي يحمي الدولة قبل أن يحمي الصحفي. لأن الدولة التي تسمح بتدفق المعلومات الصحيحة، تقل فيها مساحة الشائعات تلقائيًا. أما الدولة التي تحتكر المعلومة وتحجبها، فإنها تمنح الشائعة أفضل فرصة للنمو.

 

من أخطر الظواهر التي أصابت العلاقة بين الدولة والإعلام أن كثيرًا من الوزراء وكبار المسؤولين أصبحوا يعيشون داخل دوائر مغلقة وفي أبراج عاجية.. يتحدثون إلى مكاتبهم الإعلامية. ولا يتحدثون إلى الصحفيين. ويصدرون البيانات. ولا يجيبون عن الأسئلة. وكأن المسؤول أصبح يخشى الحوار أكثر مما يخشى الخطأ.

 

في الدول الحديثة لا يقاس الوزير بعدد البيانات التي يصدرها. بل بعدد الأسئلة التي يستطيع الإجابة عنها. أما حين يصبح اللقاء الصحفي حدثًا نادرًا، والمؤتمر الصحفي مناسبة استثنائية، فإن الفجوة بين المواطن والدولة تتسع تلقائيًا. ولا يستطيع الإعلام أن يردمها وحده.

 

إن الإعلام الذي يقدم رأيًا واحدًا، لن يهتم به إلا أصحاب هذا الرأي. أما المختلفون، فسوف يبحثون عن منبر آخر وهكذا يخسر الإعلام جزءًا من جمهوره، بينما يظن أنه يحافظ على استقراره.

الإعلام الوطني الحقيقي هو الذي يدافع عن مصالح الدولة، عبر كشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات. النقد المسؤول ليس خصمًا من الاستقرار. بل أحد شروطه. والإعلام الذي يكتفي بترديد الرواية الرسمية، يفقد مع الوقت قدرته على الإقناع. ليس لأن الرواية الرسمية خاطئة بالضرورة. ولكن لأن الجمهور يريد أن يسمع كل الأسئلة قبل أن يقتنع بكل الإجابات.

 

في السنوات الأخيرة، فقدت الصحافة جزءًا من دورها التاريخي. كانت الصحيفة يومًا ما تصنع النقاش الوطني. وكانت افتتاحياتها تؤثر في القرار. أما اليوم، فأصبح كثير من الصحف يلهث خلف ما تنتجه المنصات الرقمية.

 

إن تطوير الإعلام لا يبدأ بتغيير الأشخاص فقط. ولا بتعديل اللوائح. ولا بزيادة الإنفاق. بل يبدأ بإجابة صريحة عن سؤال بسيط: لماذا يشاهدنا الناس؟ إذا كانت الإجابة لأننا الأسرع، فقد خسرنا. وإذا كانت لأننا الأكثر صخبًا، فقد خسرنا أيضًا. أما إذا كانت لأننا الأكثر دقة، والأكثر مهنية، والأكثر احترامًا لعقل الجمهور، فهنا فقط يمكن الحديث عن إعلام قادر على المنافسة.

 

من الإشارات الإيجابية في الاجتماع الحكومي الحديث عن تطوير أداء المكاتب الإعلامية في الوزارات. وهذه خطوة مهمة. لكن المكاتب الإعلامية لا ينبغي أن تكون مجرد وحدات لإصدار البيانات. بل جسورًا بين المؤسسات والرأي العام. فالمعلومة التي تصل في وقتها، توفر على الدولة عشرات الأزمات.

 

أما البيانات المتأخرة، فهي غالبًا تأتي بعد أن يكون الرأي العام قد كوّن موقفه بالفعل. كذلك فإن الحديث عن تمويل مستدام لإعلام الخدمة العامة يمثل قضية جوهرية. فالإعلام العام يجب أن يمتلك استقلالًا ماليًا وإداريًا يضمن له القيام بدوره المهني، بعيدًا عن الأزمات المالية، مع الحفاظ على خدمته للمصلحة العامة.

 

لكن التمويل وحده لا يصنع إعلامًا مؤثرًا. فالمال يوفر الإمكانات.أما التأثير، فيصنعه المحتوى. وإذا أرادت مصر استعادة ريادتها الإعلامية عربيًا، فإن الطريق معروف، وإن كان صعبًا. تحتاج إلى إعلام سريع، لكن غير متسرع. حر، لكن مسؤول. وطني، لكن غير دعائي. ناقد، لكن غير هدام. منفتح، لكن واعٍ بمقتضيات الأمن القومي. والأهم من ذلك كله، إعلام يحترم عقل المواطن، لأنه يعرف أن المواطن أصبح يمتلك عشرات البدائل.

 

إن معركة الإعلام في السنوات المقبلة لن تُحسم بعدد القنوات الفضائية، ولا بعدد الصحف والمواقع الإلكترونية، ولا بحجم الاستثمارات. ستُحسم في مكان واحد فقط. داخل عقل المشاهد. وهناك، لا تنفع الشعارات.ولا تكفي البيانات.ولا يجدي الإنكار. 

 

فحين يستعيد الإعلام ثقة المواطن، لن يحتاج إلى أن يطلب منه المتابعة.سيعود إليه الجمهور طواعية.وعندها فقط، لن تكون استعادة الريادة شعارًا يُرفع في المؤتمرات، وإنما نتيجة طبيعية لإعلام عرف رسالته، وأخلص لها، وسبق زمنه بدل أن يطارده.

إذا كانت الدولة جادة في تطوير الإعلام، فإن البداية ليست في تغيير الوجوه، ولا في إعادة هيكلة المؤسسات، ولا في عقد المؤتمرات السنوية.

البداية الحقيقية هي فتح النوافذ المغلقة. أن يعود المسؤول إلى الصحافة. وأن يصبح المؤتمر الصحفي قاعدة لا استثناء. وأن تُفعَّل نصوص الدستور الخاصة بحرية تداول المعلومات. وأن يُنظر إلى الإعلام باعتباره شريكًا في إدارة المجال العام، لا مجرد منصة لنقل البيانات. 

فالإعلام الذي يُحرم من المعلومة، لن يستطيع الدفاع عن الحقيقة. والحقيقة هي السلاح الأقوى في مواجهة التضليل.

الجريدة الرسمية